الجذور التّاريخيّة للماركسيّة العالميّة بين الماضي والحاضر
أصولها – مميّزاتها – امتدادها
مقدّمة
تُعَدُّ الماركسيّةُ من أهمّ النظريات الفكريّة والسياسيّة التي تركت بصمةً عميقةً على التاريخ الحديث والمعاصر. نشأت في القرن التاسع عشر نتاجًا للتفاعل بين التحوّلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي صاحبت الثورة الصناعية في أوروبا، وبين الجهود الفلسفيّة التي حاولت تفسير العالم وتقديم بدائل للأنظمة القائمة آنذاك.
شكّلت الماركسيّة إطارًا شاملًا لتحليل البنى الاجتماعية والاقتصادية، وتقديم بدائل تقوم على العدالة والمساواة وإلغاء الاستغلال الطبقيّ. ولأنها لم تكن مجرّد نظرية اقتصادية، بل مشروعًا ثورويًّا، فقد امتدّ تأثيرها إلى مختلف القارّات، وأثارت سجالات فكريّة وسياسيّة ما تزال قائمة حتى اليوم.
تهدف هذه الدراسة إلى استعراض الجذور التاريخيّة للماركسيّة، والكشف عن مميزاتها الأساسية، وتتبّع امتدادها العالمي، مع محاولة فهم حضورها بين الماضي والحاضر.
أولًا: أصول الماركسيّة
١- الجذور الفلسفيّة
انبثقت الماركسيّة من رحم الفلسفة الألمانية، خاصةً مع هيغل الذي قدّم جدليّة “الصراع والتناقض” أساسًا لفهم حركة التاريخ. تبنّى كارل ماركس هذه الجدلية، لكنه أعاد توجيهها من المجال المثالي إلى المجال المادي، مؤكّدًا أن البنية المادية (الاقتصادية) هي التي تحدّد البنية الفوقية (السياسة والفكر والثقافة).
٢-الجذور الاقتصاديّة
استفادت الماركسيّة من الاقتصاد السياسي الكلاسيكي عند آدم سميث وريكاردو، وخصوصًا فكرة “القيمة” والعمل كمصدر للثروة. لكن ماركس طوّر هذه الفكرة من خلال مفهوم “فائض القيمة”، معتبرًا أن الاستغلال هو جوهر الرأسمالية.
استند كارل ماركس في نظريته إلى ظروف القرن التاسع عشر؛ حيث كان العامل اليدوي كادحًا لا يكاد يجد قوته اليومي. لم يتصوّر ماركس ما ستحدثه ثورة العلم والتكنولوجيا في القرن العشرين من تطوّر، حيث أصبح العامل رجل حرفة يجلس أمام أزرار، وتدور المصانع آليًّا بعقول إلكترونية، وحيث لم يعد هناك “جيش من العمال المرهقين” وإنما “جيش آخر من الموظفين المرفّهين”، ومن ورائهم نقابات عمّاليّة وقوانين للتأمين ضدّ العجز والشيخوخة والمرض، وفرص للتعليم والعلاج.
كما لم يتصوّر مرونة الرأسمالية وقدرتها على التطوّر نحو عمالة جديدة تُشارك بحظوظ وحصص في رأس المال، كما حدث في بعض فروع الصناعة اليابانية والإيطالية والفرنسية والإنكليزية. ونتيجة لذلك، انفصل الفكر الماركسي عن واقع عصرنا، وبدا رجعيًّا مقارنةً بظروفه.
قدم العديد من المفكّرين الماركسيين محاولات فكريّة لتعريف النظرية الماركسية، ومنهم (أنجلز). بينما لاحظ “تروتسكي” أن الماركسية قبل كل شيء هي منهج في التحليل، ليس تحليل النصوص، وإنما تحليل العلاقات الاجتماعية.
تُعدّ النظرية الماركسية مجموعة من الأفكار التي تعمل على تفسير حركة المجتمع، سواءً تعلق الأمر بالأزمات الاجتماعية أو الاقتصادية (مثل أسباب الفقر، والتفاوت الطبقي)، أو الأزمات السياسية (كالانقلابات والدكتاتوريات، أو الثورات الاجتماعية). كما أنها تفسّر ظاهرتي العمل والتكنولوجيا وأثرهما على الإنسان، وتاليًا أسباب البطالة.
إذا كانت النظرية الماركسية تعمل على تفسير هذه الظواهر الاجتماعيّة والاقتصاديّة، فإنها أيضًا تقدم تنبّؤات بنتائج الوضع الراهن لكل حالة على حدة، إذ إنّ أي نظرية علمية تنجز ثلاث وظائف: الوصف، والتفسير، والتنبؤ. وتستوفي الماركسية، خصوصًا في جانبها المادي التاريخي، هذه الوظائف. لكن الاعتراضات المقدّمة على النظريّة الماركسيّة لا تقتصر على جانب التفسير فحسب، بل تمتدّ لتشمل سبيلها المقترح للتغيير.
لقد حاول ماركس أن يجد للمجتمع أسسًا تتلاءم مع كل طبقاته التي عاشت صراعاتٍ طوال حقب زمنية. وبرأيه، كان مصدر هذا الصراع يُردُّ إلى العامل الاقتصادي. ولأجل محو هذا التفاوت، راح يبحث في الطبيعة البشرية وما لها من تحولات بيولوجية وتأثيرات داخلية وخارجية. فوجد أنه بالإمكان أن يعيش الإنسان في ظل مجتمع تحكمه الإنسانية جمعاء، وليس فئة معينة من البشر. ولهذا وضع مراحل يمر بها المجتمع البشري، تكون آخرها المرحلة الشيوعية التي لا يكون فيها استغلال للعمل أو احتكار.
٣- الجذور الاجتماعية
- جاء الفكر الماركسي ردّ فعلٍ على التفاوت الطبقيّ الحادّ الذي نتج عن الثورة الصناعية.
- انتشرت الحركات العمالية والنقابية التي كانت بحاجة إلى نظرية ثوروية تفسر وضعها، وتقترح طريق الخلاص، وهو ما قدمته الماركسية.
ثانيًا: مميزات الماركسية
١- شمولية التحليل
النظرية الماركسية ليست مجرّد نظرية اقتصادية، بل رؤية متكاملة لفهم التاريخ والمجتمع والسياسة. رأى ماركس أن المجتمعات كلها، ما عدا الشيوعية، تمرّ بصراع طبقي لأن التملّك الخاص هو ديدن هذه المجتمعات. ومن ثم، حاول الملاك وأصحاب العمل أن يسيطروا على المجتمع، وأن يرفدوه بأفكار وهمية تبريرية غايتهم منها أن تبقيهم في مكانتهم، فنشأت الأيديولوجيات كمبرّر لهم.
أدّى ذلك إلى حالة من الاغتراب في المجتمع، ليس على المستوى الاقتصادي فحسب، بل على الصعيد السياسي والفكري، لا سيما الديني الذي أُعطيَ قدسيةً كبيرةً في المجتمع، فضلًا عن كونه المصدر الرئيس للطبقات المسيطرة. ولهذا نرى ماركس يخصّ الدين بالنقد في أكثر من مرة، إذ رأى أن الدين يوصي بالإذعان والتذلّل والخنوع أمام المسيطرين، وهذا سيؤدي إلى مجتمعٍ غير ثورويّ.
ولأجل أن يغير ماركس المجتمع، دعا إلى أن نقدَ الدين هو شرطُ كلّ نقد؛ لأن الدين لا يعطي دورًا فعالًا للإنسان، فتغيير المجتمع يبدأ من خلال نقد الدين ورفضه باعتباره بناءً فوقيًا وهميًا لا يمكن له الوجود إلا في بلاد اللا عقل، لأن الدين يجعل الإنسان لا مفكرًا. فالقضاء عليه هو الطريق الأول في بناء مجتمع لا تحكمه الأيديولوجيات.
يقول ماركس في افتتاحية “البيان الشيوعي”: “ليس تاريخ كل مجتمع إلى يومنا هذا سوى تاريخ صراع الطبقات؛ فالحرّ والعبد، والنبيل والعامي، والسيد والخادم، ومعلم الحرفة والصانع، وباختصار فالظالمون والمظلومون، المتعارضون دومًا، خاضوا صراعًا لا ينتهي، صراعًا كان ينتهي دائمًا إما بتغيير المجتمع كله تغييرًا ثورويًّا، وإما بانهيار كلتا الطبقتين المتصارعتين”.
يوضّح ماركس في هذا الخطاب كيف أن تاريخ المجتمع يتطوّر ويتحوّل من مرحلة إلى أخرى. وهذه المراحل يحكمها صراع بين مالكي وسائل الإنتاج، وهم القوى المسيطرة، وبين العمال أو العبيد الذين لا يسيطرون على الإنتاج. يرى ماركس أن المجتمع وما يحويه من نُظُم ومؤسسات لا يمكن فهمه فهمًا حقيقيًا من دون دراسته دراسة مادية تاريخية.
وعلى هذا النحو، تتفهم المادية التاريخية الأفكار وتوليها عنايتها بصفتها وثائق، وتفسرها بالبحث عن ظروفها وشروطها. فهي تتخذ نقطة انطلاقها من الناس العاملين في الحياة الواقعية، ولفهم تطور حياتهم الاجتماعية، يصبح من الممكن فهم أفكارهم. فليس للأخلاق ولا للدين ولا للغيبيات تاريخ مستقل، لأنه لا يوجد تاريخ إلا تاريخ الإنسان؛ فالحياة هي التي تحدد الوعي، وليس الوعي هو الذي يحدد الحياة.
٢-الطابع الجدلي
إن اعتماد الماركسية على الجدل المادي جعلها قادرة على تفسير التحولات والصراعات كجزء طبيعي من مسار التاريخ. بالنسبة إلى ماركس، ليس الوعي الاجتماعي هو الذي يحدد الوجود الاجتماعي، وإنما الوجود الاجتماعي هو الذي يحدد الوعي الاجتماعي. وتاليًا، فإن فهم وتعريف أي فلسفة أو نظرية أو أيديولوجية يستلزم، أولًا وأخيرًا، توضيح الوجود الاجتماعي الذي يشكّل أساسها.
شكّل هذا التصور لعلاقة الوعي بالوجود الاجتماعي ثورة في نظرية المعرفة، مكّنت ماركس من الانتقال من الأيديولوجيا إلى علم التاريخ، وتاليًا من المادية الجدلية إلى المادية التاريخية. فإذا كان الجدل بين الذات والموضوع في عملية المعرفة هو المحرّك لنظرية المعرفة، فإن العلاقة التناقضية الجوهرية على صعيد الإنتاج المادي وعلاقات الإنتاج، سواء في صراع الإنسان مع الطبيعة أو خلال صراع الناس فيما بينهم، هي محرّكة التاريخ، باعتباره حركة المجتمع.
وحيث أن أساس العلاقات الإنتاجية هو الصراع الطبقي، فإن هذا الأخير هو محرّك التاريخ البشري. وتتجلّى هذه الحركية في بلوغ الصراع ذروته بين الطبقات المتصارعة في نمط إنتاج معيّن، فيتحوّل إلى أزمة تتطلب حلًا يتجسّد في الانتقال إلى نمط إنتاج جديد. وبذلك تكون المادية التاريخية علمًا للتاريخ وأيديولوجية ثوروية للطبقة البروليتارية.
- إنها علم لأنها لم تفسّر التاريخ من أيديولوجية معينة، بل فسرته بالطريقة العلمية الوحيدة الممكنة، وهي “المادية الجدلية”.
- وهي أيديولوجية ثوروية لأنها لم تكتفِ بالتفسير، بل حدّدت سبيلًا لتغيير العالم من خلال تحديد نوع الانخراط الواعي في الصراع الطبقي الواقعي والموضوعي الذي تخوضه البروليتاريا، وهي الطبقة الاجتماعية الوحيدة المؤهلة لتحقيق الثورة.
٣-البُعد الثوروي
لم تقتصر الماركسية على التشخيص، بل طرحت برنامجًا للتغيير الجذري من خلال ثورةProlétariat إن الماركسية ليست فقط نظرية مقاومة البروليتاريا للرأسمالية ونضالها ضدّها، وإنما أيضًا، وقبل كل شيء، نظرية انتصارها.
وقد أوضح ماركس بنفسه هذه النقطة عندما تنصّل من أي فضل له في اكتشاف الطبقات والصراع الطبقي، كما شرح اقتصاديون برجوازيون التكوين الاقتصادي للطبقات. أما ما استحدثه هو:
- برهن على أن وجود الطبقات لا يرتبط إلا بأطوار التطور التاريخي الذي يحدّده الإنتاج.
- إن النضال الطبقي يؤدّي بالضرورة إلى دكتاتورية البروليتاريا.
- إن هذه الديكتاتورية نفسها لا تكون إلا مرحلة انتقالية لإلغاء الطبقات والانتقال إلى مجتمع بلا طبقات.
٤-الطابع الأممي
شدّدت الماركسية على وحدة الطبقة العاملة عالميًا، معتبرة أن الصراع الطبقي يتجاوز الحدود القومية. حيث يظهر الأنموذج الماركسي أولًا باعتباره أنموذجًا تطوريًا، فهو لا يطبّق فقط على النظم الاجتماعية القائمة التي يُنظر إلى بنيتها في حقبة معينة، ولكنّه يطبّق أيضًا وبصورة خاصة على التغيّرات التي تحصل عليها باستمرار.
إن التفكير بإمكانية التمييز بين نظام قائم ونظام متغير يتناقض مع النظرية الماركسية. إن فلسفة هيغل، التي تشكّل أساسًا للنظرية الماركسية، ترفض كل رؤية ثابتة للكون، فالعالم في حركة دائمة تجري وفقًا لمخطط جدلي.
في الأصل، كانت الجدلية تعني فن الحوار الذي يتضمن مجمل الوسائل التي يحاول بواسطتها المتحاور إقناع محاوره. وبما أن الحوار يهدف إلى تجاوز التناقضات بين المتحاورين، فقد طبّق هيغل كلمة “الجدلية” على طريقة التفكير التي تنزع إلى تكامل المتناقضات. منطق هيغل يريد أن يأخذ الحركة في الحسبان، فكل ظاهرة تجمع جوانب متناقضة يمكن اختصارها شكليًا إلى اثنين: القضية ونقيضها.
هذا الصراع بين الأضداد يدمر الظاهرة الأولية، ويولّد ظاهرة جديدة يسمّيها هيغل المحصلة. وهذه الظاهرة الجديدة ليست نتيجة جمع القضية ونقيضها المتناقضين، ولكن نفيهما، بما أنه ينفي تناقضهما. ويتولّد في قلب الظاهرة الجديدة زوج متناقض جديد، بقضية ونقيضها، ينجم عنه محصلة جديدة، وهكذا دواليك.
٥- النزعة النقدية
قدمت الماركسية نقدًا جذريًا للرأسمالية، بوصفها نظامًا قائمًا على الاستغلال، وأبرزت تناقضاتها الداخلية. لم يعتبر ماركس تدمير الرأسمالية الهدف النهائي لجهود العمال، بل المقدّمة لتطورات أخرى أكثر أهمية. فتدمير الرأسمالية وحده يعني السيطرة السياسية للبروليتاريا، الذين يجب عليهم حينئذٍ أن ينتزعوا رأس المال تدريجيًا من البرجوازيين، ويركزوا كل وسائل الإنتاج في أيدي الدولة، ويعملوا على زيادة مجموع قوى الإنتاج بأسرع ما يمكن.
لتحقيق هذه الأهداف، من الضروري إقامة حكم استبدادي مؤقت أو ما يُعرف بـ “دكتاتورية البروليتاريا”، وهذه هي أول مرحلة من الاشتراكية. تتميز المرحلة الأولى بأن الأجر فيها يقابل العمل، وتكون ملكية الدولة لوسائل الإنتاج والتوزيع والمبادلة وإدارتها، مع فرض حكم حديدي من البروليتاريا على جميع فئات السكان الأخرى. ومع ذلك، يسود نوع معين من القوالب الديمقراطية داخل صفوف البروليتاريا نفسها.
إن المحصلة النهائية لهذه السياسات هي خلق مجتمع من طبقة واحدة لمنع الاستغلال، وبذلك ينتهي الصراع. وعندها لا تكون هناك حاجة إلى الدولة، حيث تختفي وتزول تمامًا، ويدخل الجنس البشري مرحلة المجتمع الشيوعي الجديد الكامل، وفقًا لمبدأ: “من كل حسب قدرته، ولكل حسب حاجته”.
وعند إحلال الشيوعية محل الاشتراكية، التي تُعتبر الهدف الأسمى للتطور التاريخي، فإن الشيوعية تعني أولًا المجتمع اللا طبقي، فلا يعيش فيها أحد بفضل ما يملكه، ولكنّ الناس جميعًا يعيشون بالعمل. وعلى الرغم من أن ماركس سخر من الاشتراكيين الطوباويين، ووصفهم بأنهم يؤلفون “طبقات متكررة من القدس الجديد”، فإنه كان طوباويًا مثلهم تمامًا؛ فهدفه النهائي، مجتمع الشيوع اللا طبقي، يمثل جنةً موعودةً للجماهير الكادحة على الأرض، ووقت قيامه محدد أكثر حتى من العهد السعيد المسيحي.
وعندما تتحقق المرحلة الأولى من الاشتراكية، ستحل محل الرأسمالية الراحلة. ولعل هذا الافتراض للحتمية التاريخية هو جانب الضعف الرئيس عند ماركس؛ فكلما ظهر أكثر فأكثر أنها غير صحيحة، تعرّضت النظرية كلها للطعن.
ثالثًا: امتداد الماركسية عبر التاريخ والجغرافيا
١- أوروبا القرن التاسع عشر
- انتشرت الأفكار الماركسية بين الحركات العمالية، وأسست “الأممية الأولى” (1864 م) و”الثانية” (1889 م).
- تشكلت أحزاب يسارية واشتراكية واتخذت من الماركسية مرجعًا لها.
٢- الثورة الروسية (1917 م)
- تُعد المحطة الأبرز في تاريخ الماركسية، حيث تحولت النظرية إلى ممارسة عملية من خلال تأسيس الاتحاد السوفياتي بقيادة لينين بعد تزعمه الحزب الشيوعي وانسحابه من معسكر الحلفاء في الحرب العالمية الأولى سنة 1917 م، وتوقيعه معاهدة بريست – ليتوفسك مع الألمان.
- كما أنه ساهم في إنهاء الأزمة الاقتصادية التي عانتها روسيا خلال الحكم القيصري.
- قدم لينين إضافات إلى الفكر الماركسي، خصوصًا فيما يتعلق بالإمبريالية والتنظيم الحزبي.
٣- الانتشار في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية
- في الصين، تحولت الماركسية على يد ماو تسي تونغ إلى أداة للتحرر الوطني والاجتماعي.
- في كوبا وأميركا اللاتينية، ارتبطت الماركسية بحركات التحرر من الاستعمار والإمبريالية.
- في العالم العربي، تأثر العديد من المثقفين والأحزاب بالماركسية، وارتبطت بمشاريع العدالة الاجتماعية.
رابعًا: الماركسية بين الماضي والحاضر
١-في الماضي
- شكلت الماركسية مرجعًا رئيسًا للحركات الثوروية والتحررية في القرن العشرين.
- ساهمت في بناء أنظمة اشتراكية في الاتحاد السوفياتي وشرق أوروبا وآسيا.
- على الرغم من الانتقادات، أسهمت في تحسين ظروف الطبقات العاملة في بلدان مختلفة.
٢- في الحاضر
- بعد انهيار الاتحاد السوفياتي (1991 م)، تراجع النفوذ السياسي للماركسية، لكن تأثيرها النظري لم ينته.
- تستعيد الماركسية حضورها في ظل الأزمات الاقتصادية العالمية، وتنامي التفاوت الطبقي، وانتقادات العولمة.
- ما تزال الجامعات ومراكز الأبحاث تستحضر الماركسية أداةً تحليليةً في علم الاجتماع والاقتصاد والسياسة.
الخاتمة
مثّلت الماركسية ثورة فكرية وسياسية في القرن التاسع عشر، واستمرت بصماتها واضحة على أحداث القرن العشرين. وعلى الرغم مما واجهته من انتقادات وانكسارات، فإنها ما تزال حاضرةً بقوة كإطار تحليلي في مواجهة أزمات الرأسمالية الحديثة. إن دراسة الجذور التاريخية للماركسية تكشف عن عمقها الفلسفي والاقتصادي والاجتماعي، وتوضح سبب امتدادها وانتشارها عالميًا، كما تبرز راهنيتها في تفسير قضايا العدالة الاجتماعية والتفاوت الطبقي في عالم اليوم.
إن جميع النظريات لها جذور مادية، وهي تنمو كانعكاسات وردود على أوضاع تاريخية واجتماعية محددة، ولفهمها يجب النظر إليها في سياقها. ومع ذلك، من الخطأ الكبير أن نستنتج من هذا، كما يفعل الناس غالبًا، أنه بمجرد مرور الزمن أو تغير المجتمع تصبح نظرية صحيحة في السابق غير ذات دلالة الآن. الاشتراكيون هم أقل من يمكنهم تحمل هذا الخطأ، حيث إنه ما زال لدينا الكثير لنتعلمه من النصوص الكلاسيكية لتراثنا، على سبيل المثال، كتابات ماركس وإنجلز.
هناك سببان رئيسيان لاحتفاظ مثل هذه النصوص بأهميتها:
أولًا: لأن هناك دائمًا عامل الاستمرارية إلى جانب التغيير في التاريخ. فالرأسمالية موجودة منذ حوالي خمسمئة سنة، وهي خلال تلك المدة تغيرت بشكل هائل، ولكن ظلت ديناميكيتها المركزية هي تراكم رأس المال، وظلت طبقاتها الأساسية هي البرجوازية والبروليتاريا، وظلت علاقة الاستغلال بينهما على حالها. وتاليًا، فإن الكتابات التي تحوي فهمًا متماسكًا لهذه الأساسيات، مثل “البيان الشيوعي“، تحتفظ بقيمة أكبر من أي عدد من الكتب “الحديثة” في التاريخ أو علم الاجتماع التي تفشل في إدراكها.
السبب الثاني: هو أن أي تحليل نظري يتضمن رؤية حقيقية للنزعات الكامنة في المجتمع يصبح أكثر، وليس أقل، صحة مع مرور الوقت وتعزيز تلك النزعات لنفسها. وهكذا، فإن عبارة ماركس بأن “البرجوازية من خلال استغلالها للسوق العالمي أعطت طابعًا عالميًا للإنتاج والاستهلاك في كل بلد”، هي وصف أكثر دقة بكثير لعالم اليوم عما كانت عندما كُتبت في عام 1848 م.
في الوقت ذاته، يجب أن نتذكر أن أيًا من الكتابات في التراث الماركسي ليست نصوصًا مقدسة، ولا يقف أي منها فوق أو خارج التاريخ، وأنها لا تتعامل مع الحقائق الأبدية، ولكنها تحليلات ملموسة لا تقترن صحة مقترحاتها بكون كاتبها ذا حيثية. ليس هناك شيء صحيح لمجرد أن ماركس أو أي شخص آخر قاله. على الاشتراكيين أن يقدروا ويدرسوا كتابات الماضي البارزة، ولكن عليهم أيضًا أن يقيّموها بشكل نقدي من حيث علاقتها بالتاريخ والواقع المعاصر.
لقد جاءت النظرية الماركسية من أجل درء مفاسد النظام الرأسمالي، واستغلال الإنسان للإنسان من أجل تحقيق الربح المادي. فالنظرية الماركسية نظرية عظيمة من دون ريب، وقد أحدثت في العالم تغييرًا هائلًا يندر أن نجد له نظيرًا في تاريخ البشر، ولكنها مع ذلك لا يمكن أن تكون كاملة خالية من العيوب تمامًا، فهي ما دامت من صنع البشر، فلا بد أن تكون معرضة للخطأ والنقص.
ينبغي ألا ننسى أن ماركس لم يأتِ بنظريته وحيًا من السماء، بل استمدها من المعلومات التي توفرت لديه في حياته، ولهذا رأيناه يغير بعض الجوانب من نظريته مرة بعد مرة عند عثوره على معلومات جديدة. ومن الممكن القول إنه لو امتد به العمر فترة أطول، وعثر على معلومات أخرى، لربما كانت نظريته بغير الصورة التي تركها عند موته.
لقد أخطأت تنبؤات ماركس جميعها التي بناها على منهجه الجدلي؛ حين تنبأ بأن الثورة الشيوعية لن تخرج من مجتمع مختلف، وإنما من مجتمع صناعي رأسمالي متقدم مثل إنجلترا وألمانيا، فكذبت نبوءته وخرجت الشيوعية من مجتمع زراعي مثل الصين.
وكذلك تنبأ باتساع شقة الخلاف بين البرجوازية والبروليتاريا في الدول الرأسمالية بشكل مطَّرد إلى أن يتفاقم الوضع إلى ثورة تقلب النظام الرأسمالي كله، ولكن ما حدث في المجتمعات الرأسمالية كان العكس، وهو مزيد من التقارب بين الطبقات عقب سلسلة من الإجراءات الإصلاحية والأنشطة النقابية، في حين انطلق الصراع وتفاقم بين دول العالم الاشتراكي نفسه.
كما تنبأ ماركس بازدياد تمركز رؤوس الأموال في احتكارات هائلة يزداد معها غنى الأغنياء وفقر الفقراء، ولكن الذي حدث كان اتجاهًا إلى تفتيت رؤوس الأموال عن طريق الشركات المساهمة، وتفتيت الملكيات الزراعية من تلقاء نفسها بالميراث. وتنبأ ماركس بالأزمة الاقتصادية الساحقة التي تسحق النظام الرأسمالي بسبب ازدياد إجمالي الإنتاج عن معدل الطلب والقدرة الشرائية نتيجة فقر العمال المدقع، ولكن الملاحظ إلى الآن أن كل أزمات الرأسمالية ذات طابع عرضي.
وبناءً على نظرية ماركس في فائض القيمة، يتحدد أجر العامل في الدولة الرأسمالية على أساس الحد الأدنى اللازم لمعيشته. ولكن الواقع كذّب هذه التقديرات بفضل التشريعات الجديدة ونشاط النقابات، والتعديلات التي أدخلها النظام الرأسمالي على نفسه، فارتفع أجر العامل في دول أوروبية كثيرة إلى مستوى رخاء ملحوظ.
إذا كانت الماركسية كما قال إنجلز: “دليل عمل وليست دوجما”، فعليها أن تكون نظرية حية متطورة، وقادرة على النمو المتواصل، كما عليها أن تحلل وتستجيب لواقع متغير على نحو دائم.
وهو واقع شهد بالفعل تغيرات ضخمة منذ أيام ماركس. حتى لو كنا لأسباب تاريخية نسمي النظرية تبعًا للشخص الذي كان له الإسهام الأكبر في وجودها، فإننا لا نستطيع أن نختصرها أو نحدها فيما كتبه هذا الفرد بذاته، فالثمن حينئذٍ يكون عجزها الكامل.
وكما لاحظ تروتسكي أن الماركسية قبل كل شيء هي منهج في التحليل، ليس تحليل النصوص، وإنما تحليل العلاقات الاجتماعية. يشير هذا الاقتباس من تروتسكي إلى حل بديل للمشكلة، وهو حل يتبناه الماركسي المجري جورج لوكاش، حين يقول إن الأصالة الماركسية لا تعني تسليمًا أعمى بنتائج بحث ماركس، ولا تعني الإيمان بنظرية أو بأخرى، ولا تأويل كتاب مقدس. إن الأصالة بالنسبة إلى الماركسية ترجع، على نقيض ذلك، إلى المنهج بشكل حصري.





