العدد التاسع

أبرز ما ورد في مقال مترجم عن موقع Weaponized Information

طرد أشباح اليسار الإمبريالي: دومينيكو لوسوردو وحرب الطبقات داخل الماركسية

تحرير: شادي منصور

الماركسية الغربية ليست تقليدًا يُستعاد، بل أيديولوجيا عدوة صيغت على صورة الإمبراطورية. فالتدخل الأخير لدومينيكو لوسوردو ليس مجرّد دعوة إلى النقاش، بل نداء إلى الانشقاق: من النقد إلى القتال، ومن قاعة الدرس إلى ساحة النضال، ومن الغرب إلى العالم.

القراءة وسط الأنقاض: الماركسية، الخيانة، والمعركة من أجل المستقبل

هذا ليس عرضًا لكتابٍ فحسب، بل تقريرٌ من الخطوط الأمامية الأيديولوجية لعالمٍ يقف على حافة الفناء؛ عالمٍ تحكمه الأسلحة النووية، والانهيار المناخي، والفاشية التقنية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي، كلّها خاضعة للقانون الحديدي نفسه: الربح.

وسط هذا الركام يطلّ دومينيكو لوسوردو، الفيلسوف والمناضل، مسلّحًا بمبضعٍ أكثر حدّة من أيّ نقدٍ خرج من قاعات الندوات النخبوية في الجامعات الغربية. فكتابه “الماركسية الغربية: كيف وُلدت، كيف ماتت، وكيف يمكن أن تولد مجددًا” ليس مجرد تشريحٍ تقني لتقليدٍ نظري فاشل، بل جنازةٌ لنمطٍ من الماركسية يرفض القتال، ونداءُ تعبئةٍ لكلّ من سئم رؤية النظرية تتحوّل إلى علاجٍ نفسي للجبناء من أصحاب الكراسي الجامعية.

نعيش اليوم لحظةً يتربّع فيها أبرز “مفكري اليسار” على صفحات مجلاتٍ ممولة من الناتو، ويظهرون في قوائم “فورين بوليسي”، ويقدّمون محادثات “تِيد” لصالح غوغل. وما يُقدَّم على أنه ماركسية في قلب الإمبراطورية الغربية غدا، على حدّ تعبير لوسوردو، سياسةً للهزيمة: مهووسةً بالفشل، نافرةً من القوة، ومتورطةً بعمقٍ في التهكم الأخلاقي على من يجرؤون على البناء. يأتي هذا الكتاب كقنبلة مولوتوف، ليحطّم الوهم القائل إن النظرية النقدية الغربية كانت يومًا تهدف إلى التحرر.

أسلوب لوسوردو ليس رقيقًا، غير أنّ خيانة من يواجههم لم تكن رقيقةً أيضًا. فهو يرسم صدعًا تاريخيًا وطبقيًا واضحًا: عام 1914 وعام 1917. الأول يرمز إلى انهيار الأممية الثانية حين اصطفّت الأحزاب الاشتراكية الأوروبية خلف برجوازياتها لخوض حربٍ إمبريالية. أما الثاني، فهو الثورة البلشفية، حين استولى العمال والفلاحون والقوميات المضطهدة على السلطة وحاولوا إعادة تشكيل العالم. ومنذ تلك اللحظة انقسمت الماركسية: في الشرق، ممارسةٌ ثوروية، وفي الغرب بلاغةٌ ثوروية. الأولى حملت السلاح وصادرت ثروات الطبقة الحاكمة، أما الثانية فتمسّكت بالأقلام وبدأت مسيرة قرن من التراجع الرمزي والتقاعس الأيديولوجي.

لكن لوسوردو لا يكتفي بتشخيص الخيانة، بل يسمّي الطبقة التي استفادت منها. فالماركسية الغربية ليست مدرسةً فكرية فحسب، بل تعبيرٌ سياسي عن البرجوازية الصغيرة الإمبريالية: الأكاديميون، والمثقفون، والمنتجون الثقافيون المستقرّون في قلب الإمبراطورية، المتشبّثون برواتبهم الجامعية، وجولاتهم الخطابية، وسمعتهم الليبرالية الهشّة. هؤلاء لا يلتزمون بالثورة بل بأداء لغتها، بينما يساهمون في إضعافها. يكتبون عن معاناة العالم من دون أن يحرّكوا إصبعًا لإنهائها، ينوحون على قتلى فيتنام وكوبا وبوركينا فاسو، ويسخرون من الثورات التي حاولت تحريرهم.

لهذا السبب، لا يُقرأ كتاب لوسوردو كنظرية، بل كتشخيص. مثل لينين الذي كتب من خنادق بتروغراد الحمراء، لا يعنيه الصفاء المجرّد ولا اللغة الرائجة، بل ما يُجدي نفعًا. يعرّي الماركسية الغربية، ويسمّيها بما هي عليه: أيديولوجيا انسحاب تخلط بين الجبن والحذر، وبين العجز والبصيرة. ويسمي كهنة هذا المعبد الجديد: أدورنو، ألتوسير، سارتر، هارت ونيغري، وحتى جيجيك؛ لا ليرفض مساهماتهم كليًّا، بل لينزع عنهم هالة الراديكالية التي يتخفّون خلفها وهم يراوغون باستمرار. إنهم ليسوا ثورويين خطرين، بل “راديكاليون مرخّصون”، مهرجو البلاط.

إذا أراد الماركسيون الغربيون أن ينوحوا، فليكن. لكن لا وقت لدينا للمراثي. مهمتنا هي الإحياء، لا لليسار كفكرة مجرّدة، بل للماركسية كسلاح حيّ في يد فقراء العالم. ولتحقيق ذلك، ينبغي أن نبدأ من حيث بدأ لوسوردو: بدفن جثة النقد العقيم، وبناء ما يُقاتِل.

سياسات الطبقة في النقد: عندما تخدم النظريةُ السيّد

إذا كانت الحقيقة أولى ضحايا الحرب الإمبريالية، فإن النظرية تأتي في المرتبة الثانية؛ إذ لا شيء يكشف ولاء المفكّر أسرع من موقفه تجاه السلطة. ولوسوردو يفهم هذا جيّدًا. فهو يعلم أن الخط الفاصل بين الماركسية الثوروية ونظيرتها الغربية الكاريكاتورية لا يكمن في تأويل كتابات ماركس المبكّرة، ولا في تفصيلات المنهج الجدلي، بل في سؤال واحد:

هل تقف مع من استولى على السلطة لإنهاء الاضطهاد؟ أم مع من يوجّه إليهم النقد من أمان الإمبراطورية؟

بهذا المعنى، خانت الماركسية الغربية الثورة، بل والطبقة ذاتها التي تزعم التحدث باسمها. لقد غدت فلسفة أولئك الذين يفرّون من ساحة المعركة ويسخرون من الجرحى في أثناء انسحابهم.

ولوسوردو لا يكتفي بالتنظير لهذه الخيانة، بل يسمّيها مباشرة. يتبع أثرها في أروقة مدرسة فرانكفورت، وفي صالونات باريس المتعالية، ثم في انحدار ما بعد الحداثة إلى التجريد. ويُظهر كيف أن مفكرين مثل أدورنو وهوركهايمر، المخمورَين برقيّهما الذاتي، سخرا علنًا من الثورات المناهضة للاستعمار في القرن العشرين. وكيف تحوّلت “اللا-إنسانوية” عند ألتوسير إلى تبرير للانفصال، وكيف كانت “مناهضة الإمبريالية” عند سارتر في كثير من الأحيان مسرحًا شعبويًا للشعور بالذنب، من دون التزام ثوروي حقيقي. وكيف أخذت هذه التقاليد تفوح أكثر فأكثر برائحة التفوّق الأخلاقي واليأس الأوروبي المركزي.

لكن لوسوردو لا يكتفي بهذا. فهو لا يتوقف عند النقد الأيديولوجي، بل يعود إلى الجذور المادية لهذا التحوّل. يرى أن الماركسية الغربية إفراز أيديولوجي للتناقضات الطبقية في قلب الإمبراطورية؛ فهي نتاج الفوارق العالمية في الأجور التي سمحت بصعود أرستقراطية عمالية في الغرب، وبروز طبقة من المثقفين والمديرين المهنيين الذين يطفون فوقها. هؤلاء ليسوا مجرد عمّال ثقافيين ذوي آراء، بل موظفون برواتب في اقتصاد المعرفة. إنهم لا يريدون الإطاحة بالرأسمالية، بل عقد عمل دائم داخلها. ماركسيتهم ليست سلاحًا، بل شهادة معتمَدة.

ولهذا السبب، كما يوضح لوسوردو، لم تجد وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) حرجًا في تمويلهم. فمن خلال واجهات ثقافية مثل “مؤتمر الحرية الثقافية”، دعمت الإمبريالية “يسارًا محترمًا” يهاجم الاشتراكية باسم النقد، بينما يخدم أهداف الإمبراطورية الأيديولوجية. أما الأعداء الحقيقيون ــ اللينينيون، والماويون، والثورويون المناهضون للإمبريالية ــ فقد شُيطنوا كـ “ستالينيين”، و”شموليين”، أو بما هو أسوأ. لكن أدورنو وأرندت وماركوز ظلّوا في مأمن، لأن ماركسيتهم جُرّدت من أنيابها، وخلت من الانحياز الطبقي، ومن التنظيم، ومن الأفق الثوروي. وما تبقّى ليس سوى نقد بلا نتائج، تمرّد بلا قوة، ونظرية بلا أنياب.

والنتيجة، بحسب لوسوردو، هي ماركسية تخلط بين عجزها الأخلاقي وتوهّم تفوّقها الأخلاقي. ماركسية ترفض انتصارات المضطهدين من فيتنام إلى الصين وصولًا إلى أنغولا، لأنها لا تنسجم مع تصوّرات خيالية رسمها رجال بيض في باريس. ماركسية تنوح على فظائع الرأسمالية، لكنها ترتعد خوفًا من نفيها. بإيجاز، ماركسية تحوّلت إلى منتَج فاخر ضمن صناعة النظرية: قابلة للتسويق، أنيقة، ومتوافقة تمامًا مع منطق الإمبراطورية.

ومع ذلك، فإن الجانب الأكثر إدانة في حُجّة لوسوردو لا يكمن فيما يقوله عن هؤلاء المفكرين، بل فيما يكشفه عن وظيفتهم. فالماركسية الغربية ليست مجرد رؤية خاطئة، بل ضرورة بنيوية لإعادة إنتاج الأيديولوجيا الإمبريالية. إنها تمنح الطبقة المثقفة الليبرالية ذريعة أخلاقية جاهزة. تتيح للأساتذة والفنانين ووجوه الإعلام أن يتظاهروا بالراديكالية، فيما هم في الواقع يؤدّبون الثورويين الحقيقيين. إنها القفاز المخملي الذي يغلف القبضة الحديدية، سلسلة المحاضرات التي تبرّر الضربات الجوية، والحواشي التي تطمس التمرّد.

يرسم لوسوردو خطًّا واضحًا في الرمال. فهذه ليست مناظرة بين مدارس نظرية متنافسة، بل حرب طبقية داخل الماركسية نفسها. في جانب، يقف مناصرو الثورات المناهضة للإمبراطورية، الذين يتعاملون بجدّية مع تناقضات السلطة ويعتبرون النظرية سلاحًا. وفي الجانب الآخر، أولئك الذين يصنعون نقدًا يُستهلك في أروقة الإمبراطورية؛ من يدينون الثورة بوصفها استبدادًا، ويختزلون التنمية إلى “رأسمالية دولة”، ويحوّلون الصراع الطبقي العالمي إلى هوامش في أطروحات أكاديمية.

السؤال المطروح إذًا: في أي جانب تقف؟

العمى تجاه مناهضة الاستعمار: حين رفض الغرب أن يتعلّم من العالم

في صلب إدانة لوسوردو حقيقة ساطعة لا يمكن إنكارها، تجاهلها الماركسيون الغربيون عمدًا: أعظم الإنجازات الثوروية في القرن العشرين لم تحدث في باريس، أو لندن، أو نيويورك، بل في هافانا، وهانوي، وبكين، والجزائر. ومع ذلك، وعلى امتداد عقود، عاملت النخب الراديكالية الغربية هذه الانتفاضات لا بوصفها طليعة النضال الاشتراكي، بل كحالات انحراف مؤسفة، قومية عتيقة، أو “عالم ثالثية” مبتذلة، أو انحرافات مأساوية عن “الثورة الحقيقية” التي لم تطأ يومًا أرض أوروبا. لم يكن الأمر مجرّد سوء فهم لهذه الثورات المناهضة للاستعمار، بل كان احتقارًا متعمّدًا لها. عبارة لوسوردو هنا صريحة: لقد كانت “لقاءً لم يحدث”.

فصلًا بعد فصل، يكشف لوسوردو الجنون النظري الذي تطلّبته عملية تجاهل المدّ الثوروي المناهض للاستعمار، الذي اجتاح العالم من 1945 حتى ثمانينيات القرن العشرين. لم تكن تلك معارك منعزلة، بل كانت أرقى أشكال الصراع الطبقي على الكوكب. لقد أذلّ الشعب الفيتنامي آلة الحرب الأميركية، وهزم الفلاحون الجزائريون الفاشية الفرنسية، وأطاح الفلاحون الصينيون بالإقطاع وبالاحتلال الإمبراطوري في واحدة من أوسع التحولات الاجتماعية في التاريخ. ومع ذلك، بينما كانت القنابل تنهال والإمبراطوريات تتداعى، كان مثقفو أوروبا مشغولين بكتابة مقالات مطوّلة عن الكآبة والديالكتيك، يتساءلون عمّا إذا كان التغيير لا يزال ممكنًا.

لم يكن ذلك صدفة، بل ثمرة لرؤية أوروبية مركزية اعتبرت الثورة حكرًا على الغرب، وحقًا جدليًا حصريًا للبروليتاريا الصناعية البيضاء. وعندما اندلعت الثورات في أماكن أخرى، خصوصًا تحت قيادة فلاحين أو قوميين، وُصفت بأنها غير ماركسية بما يكفي: فوضوية، عنيفة، دينية، شعبوية. وقبل كل شيء: ناجحة أكثر مما ينبغي. وبالنسبة إلى تقليد اعتاد تمجيد الفشل وتقديس الهزيمة، شكّلت الانتصارات الفعلية أزمة فلسفية. لقد شخّصها لوسوردو بدقة: الماركسية الغربية لا ترتاح للمضطهدين إلا عندما يخسرون. أما حين ينتصر هؤلاء، ويقيمون دولهم، ويؤمّمون مواردهم، ينقلب عليهم اليسار الغربي.

لقد أظهر الماركسيون الغربيون ولاءهم للإمبراطورية حين رفضوا أخذ الثورات المناهضة للاستعمار على محمل الجد. وصفوا الاتحاد السوفييتي بأنّه “كابوس بيروقراطي”، بينما كانت موسكو تُدرّب الآلاف من الأطباء والمهندسين والمناضلين المناهضين للإمبريالية في الجنوب العالمي. ادّعوا التحدث باسم المظلومين، لكنّهم سخروا من الحركات الوحيدة التي حرّرتهم فعليًّا.

ما يطالب به لوسوردو، وما تؤكّده فكرة “المعلومة كسلاح”، هو القطيعة مع هذا التقليد الطفيلي. لسنا بحاجة إلى مزيد من النقد للسلطة على ألسنة مَن لم يخاطروا يومًا بحياتهم في ميدان النضال. نحن بحاجة إلى عودة إلى المادية التاريخية التي تجد مرتكزها في حركات المقهورين، لا في هوامش مدرسة فرانكفورت. نحتاج إلى ماركسية تضع في مركزها المزرعة والاحتلال والمصنع، لا قاعة المحاضرات. نحتاج إلى ماركسية تدافع بلا مواربة عن الدول الاشتراكية والثورات المناهضة للإمبريالية التي قاتلت ـ وما زالت تقاتل ـ لتشقّ دروب البقاء في وجه بربرية الغرب.

بهذا المعنى، لا يكتفي لوسوردو بانتقاد الماركسية الغربية، بل يدعونا إلى دفنها لا بالحزن، بل بالوضوح. لنقرّ بما كانت عليه: تشكُّلًا طبقيًّا، وحاجزًا أيديولوجيًّا، وتقليدًا متفسّخًا جعل من رفض الثورة المناهضة للاستعمار عقيدته السياسية. موتها ليس مأساة، بل ضرورة.

صناعة النظرية ووكالة الاستخبارات المركزية: كيف تمّ تصنيع “اليسار المتوافق”؟

لفهم كيف أصبحت الماركسية الغربية على ما هي عليه، لا بد من تتبّع المال. لا بد من رسم خريطة للمؤسسات والشبكات والمنح وصفقات النشر. لا بد من النظر في: مَن يُموِّل مَن؟ مَن يُترجَم؟ مَن يحصل على وظيفة دائمة أو يُمنَح المنابر؟ ومَن يُقصى؟ وحين نفعل ذلك، يتضح السرّ القذر الذي يشكّل جوهر تحليل لوسوردو: إن كثيرًا مما نسمّيه اليوم “نظرية راديكالية” في قلب الإمبراطورية، لم يكن نتاجًا تلقائيًّا، بل صُنِّع ونُظِّم ومُوِّل ليكون كذلك: راديكاليًّا بما يكفي ليبدو خطيرًا، لكن آمنًا بما يكفي لئلّا يُهدِّد السلطة. هذا ليس افتراضًا، بل حقيقة تاريخية. ولوسوردو يسمّيه باسمه: “اليسار المتوافق”.

هذا اليسار هو نفسه الذي يبكي على مذكّرات تشي غيفارا، بينما يؤيّد العقوبات على كوبا. ينوح على والتر رودني، لكنه يرفض الصين الاشتراكية بوصفها “استبدادية”. يقتبس فانون في أطروحته، ثم يعارض الكفاح المسلّح في فلسطين. إنّه اليسار المتوافق الذي يرقص حول الإمبريالية، بينما يؤدّي دور المهرّج في بلاط الرأسمال. وكما يوضح لوسوردو، لم يظهر هذا اليسار بالصدفة، بل صُمِّم عمدًا، وباستراتيجية مدروسة، واستثمارات ضخمة من قِبَل مؤسسات الإمبريالية ذاتها.

وهنا تدخل وكالة الاستخبارات المركزية (CIA). لا باعتبارها “فزّاعة المؤامرات”، بل كمهندسة موثّقة تاريخيًّا لحرب ثقافية ممنهجة. عبر واجهات مثل “مؤتمر الحرية الثقافية”، أنفقت الـ CIA ملايين الدولارات على تمويل المجلات، وأقسام الجامعات، والجوائز الأدبية، والمعارض الفنية، والحركات الفلسفية في أوروبا والأمريكيتين. لم يكن هدفها تشويه صورة الاتحاد السوفييتي فحسب، بل إعادة تعريف معنى “اليسار” نفسه: لإنتاج اشتراكية “محترمة” تندّد بالشيوعية، وترفض النضال المناهض للإمبريالية، وتبقى في حالة نفور دائم من الاستيلاء على السلطة.

الكتّاب “الراديكاليون” الذين أدانوا السياسة الأميركية هُمِّشوا، بينما ضُخِّم أولئك الذين هاجموا الاشتراكية الواقعية. حتى مدرسة فرانكفورت، التي وُلدت كمشروع جذري لتحليل الهيمنة الرأسمالية، دُمجت تدريجيًّا في آلة “التمرّد الثقافي المضاد”.

مع ذلك، نجحت هذه المنظومة في تقديم نفسها على أنّها نقدية، راديكالية، وماركسية. هذه هي عبقرية “صناعة النظرية”: تعبئة الخضوع على هيئة تعقيد فكري، ترويج الجبن على أنّه عمق تحليلي، وتسويق الاستسلام السياسي مغلفًا بجمالية التمرد. يرفع لوسوردو الستار عن هذا المسرح الفكري، ويكشف الممثلين على حقيقتهم: موظفون مأجورون في خدمة الإمبراطورية. وظيفتهم ليست تحدّي السلطة، بل إدارة الغضب. ليست إشعال الثورة، بل إنهاكها.

وفي مقطع شديد اللهجة، يلتفت لوسوردو إلى جيجك، الفيلسوف السلوفيني، الذي بنى مسيرته على الاستفزاز التجديفي والهرطقة المُعقّمة. رجل نشأ على تقويض الاشتراكية في يوغوسلافيا، دعا إلى الخصخصة، ثم أيّد لاحقًا حروب الناتو بالوكالة، كل ذلك بينما كان يُقدّم نفسه كماركسي. جيجك، وغيره من أمثاله، يمثلون مثالًا أنموذجيًّا لما يسميه لوسوردو “المسترد الراديكالي”: من يؤدي دور الثوروي، بينما يفرغه من مضمونه، ويستعير لغته، ويستهزئ بانتصاراته.

تكمن عبقرية لوسوردو في الربط بين النقاط. فهو لا يكتفي بنقد مضامين الماركسية الغربية، بل يكشف عن أساسها المادي، يفضح مموليها، ويسمّي الطبقة التي تستفيد منها. ويذكّرنا بأنّ في ظل الرأسمالية، حتى النظرية تصبح سلعة، والسوق يكافئ من يبرر إعادة إنتاجها. لهذا يُدعى “الفلاسفة الراديكاليون” لإلقاء محاضرات في منتديات برعاية الناتو، بينما يُمنع أطباء كوبا من حضور المؤتمرات الدولية. ولهذا يتم شيطنة حكومات فنزويلا ونيكاراغوا الاشتراكية، بينما يُصفّق للتكنوقراطيين الإمبرياليين في دافوس على “قلقهم من عدم المساواة”. ولهذا تزدهر دراسات ما بعد الاستعمار في الأكاديميا، بينما يواجه النضال الثوروي المناهض للإمبريالية الصمت أو الازدراء.

ما يقدمه لوسوردو ليس حنينًا إلى الأرثوذكسية السوفييتية، ولا دعوة إلى الامتثال الفكري، بل شيء أخطر بكثير: دعوة إلى إعادة وصل النظرية بالنضال، لبناء ماركسية لا تحتكم لمقاييس الاستشهاد العلمي أو لجان المنح، بل للجماهير الكادحة في العالم. ماركسية لا تتحدث عن المضطهدين، بل تتحدث معهم وتقاتل لأجلهم.

التمرد كطريقة، والثورة كجريمة: الانجراف المسياني للماركسية الغربية

من أكثر جوانب كتاب لوسوردو إدانة، نقده الصارم لتحويل التمرد إلى أسلوب حياة داخل الماركسية الغربية. في يد مثقفي الإمبراطورية، لم تعد الثورة عملية تاريخية، ولا جدلية استيلاء وبناء، بل تحوّلت إلى عرض، إلى إحساس، إلى مزاج يمكن استهلاكه. بعد أن جُرّدت من الاستراتيجية، وقُطعت عن النضال الجماهيري، صار التمرد مجرد حالة شعورية مستهلكة: سترة جلدية سياسية يمكن ارتداؤها، اقتباسها، لكن لا حاجة أبدًا للانتصار بها. لأن الانتصار، في هذه الأيديولوجيا، خيانة.

يسمي لوسوردو هذا المنحى بـ “المسيانية”، إرث لاهوتي يتنكر في هيئة راديكالية. في جوهره، توجد فكرة أنّ الثورة يجب أن تهبط كالبرق من السماء: نقية، طاهرة، مطلقة. لا يجوز لها أن تنمو، أن تتعثر، أن تخطئ، أو أن تتفاوض. لا يجوز لها أن تبني مستشفى أو وزارة. يجب أن تكون قطيعة شاملة مع كل شيء.

لكن الجنوب العالمي لا يملك رفاهية هذا الحلم. عندما تكون الإمبريالية على عنقك والجوع على بابك، لا تنتظر المسيح، بل تنظم، تستعيد الأرض، تؤمّم الموارد، ترتكب الأخطاء وتتعلم منها، تبني جيش الشعب، ومستوصف الشعب، وتعليم الشعب. تستولي على السلطة وتدافع عنها. وإذا اضطرت لمواجهة البيروقراطية والتناقضات والأعداء من الداخل والخارج، فليكن. هذا هو ثمن الثورة.

أما في الغرب، حيث تُحمى النظرية بالوظائف الجامعية، ويُكافأ الفشل بصفقات الكتب، تصبح الثورة قصة شبح يرويها من يخشون الأحياء.

هذا الانجراف المسياني يُتيح أيضًا رفض أي مشروع اشتراكي لا يلائم التوقعات الجمالية لليسار الأوروبي. يرفضون الصين لأنها عملية أكثر من اللازم، وكوبا لأنها تفاوض، وفيتنام لأنها تتاجر. يريدون ثورات لا تدافع عن نفسها، وأحزابًا لا تفرض الانضباط، وحركات لا تتخذ قرارات. يريدون شيوعية بلا دولة، ومساواة بلا تنمية، ونضالًا بلا حرب. وما لا يريدون الاعتراف به هو أن هذا الحلم ليس ثورويًا، بل إمبريالي: توقع بأن يقدم المضطهدون تحررهم على شكل عرض مسرحي للغرب، من دون أن يمس امتيازاته المادية.

يمزّق لوسوردو هذا الوهم تمزيقًا، ويذكّرنا أنّ ماركس وإنجلز لم يكتبا أبدًا أنّ الثورة ستكون مثالية، بل ستكون مادية وتاريخية، وُلدت من الدم والتناقض. لقد فهما أنّ الاشتراكية لن تنبع من خيال الفيلسوف، بل من وحل ونار النضال الجماعي. وأن المهمة ليست في تخيّل عالم جديد من الصفر، بل في تحويل العالم القائم بكل ثقله، وعنفه، وإمكاناته. كما كتبا في الأيديولوجيا الألمانية:

“الشيوعية ليست حالة ينبغي إقامتها، ولا مثالًا ينبغي أن يطابقه الواقع. نسمي الشيوعية الحركة الواقعية التي تُلغي الوضع القائم.”

وهذه الحركة لا تأتي من النقد، بل من القوة، من التنظيم، ومن الثورويين الذين يستولون على وسائل الإنتاج، ويفككون الدولة الإمبريالية، ويطلقون نمط حياة جديد. نعم، سيخطئون، كما فعلت كومونة باريس، والسوفييتات، وكل شعب قاوم يومًا. لكن السؤال ليس إن كانوا مثاليين، بل: هل تقدموا بالنضال ضد الاستغلال والإمبراطورية؟ هل وضعوا الفقراء في موقع القيادة؟ هل غيّروا العالم باسم المظلومين؟ وإن كان الجواب نعم، فلا تُدينهم، بل تعلّم منهم.

على اليسار الغربي أن ينضج. عليه أن يتوقف عن عبادة التمرد كوثن، ويبدأ ببناء البنية التحتية السياسية اللازمة للتحرر. عليه أن يتخلى عن أوهامه المسيانية، ويواجه العمل الصعب والمنضبط للتنظيم الثوروي. عليه أن يدفن شبح 1968، ويعيد دراسة 1949، و1959، و1975. وقبل كل شيء، عليه أن يفهم أنّ المستقبل لن يصنعه الفلاسفة، بل الشعوب بانتصاراتها، وتناقضاتها، وسيادتها.

نقد لوسوردو ليس لطيفًا، ولا يهدف إلى طمأنة أحد. إنه يهدف إلى التوضيح، لا يعرض نظرية أفضل، بل يعرض جانبًا أفضل. وسؤاله يتردد في كل صفحة من هذا الكتاب كالرعد:

هل أنت مع الإمبراطورية ومهرجيها؟ أم مع الشعوب التي تبني السلطة، طوبة فوق طوبة؟

بعث الماركسية في أحشاء الوحش

ما الذي يبقى إذًا لنا، نحن العالقين في قلب الإمبراطورية؟ نحن المحاطون بأنقاض الماركسية الغربية المتلألئة، حيث تحوّلت النظرية إلى مقبرة، والتضامن غالبًا إلى وسم على مواقع التواصل. لوسوردو لا ينادي باليأس، بل بنداء إلى النضال، وليس نداءً أجوفًا من شعارات أو ثورات تمثيلية، بل دعوة منضبطة لإعادة بناء الماركسية في الغرب، لا كنظرية فكرية، ولا كموضة، بل كسلاح في يد الشعوب. هذه ليست نهضة فكرية، بل تمرد، مقاومة مضادة للمقاومة المضادة الأيديولوجية التي قدّمت نفسها كفكر يساري طيلة نصف قرن.

ولكي تولد الماركسية مرةً أخرى في الغرب، يؤكّد لوسوردو أنّ عليها أن تقوم بما رفضه الماركسيون الغربيون لعدة أجيال: أن تتعلم من الجنوب العالمي. لا أن تستخرج مفاهيم، ولا أن تستعير مزاجًا، ولا أن تمجّد إخفاقات، بل أن تدرس النجاحات فعليًا، تفهم التناقضات، وتنضم إلى المشروع العالمي لتفكيك الاستعمار وبناء الاشتراكية. يجب أن تعي أنّ مركز الصراع الطبقي اليوم ليس في برلين أو بيركلي، بل في أكرا، وكاراكاس، وشنتشن، ورام الله، وسويتو. هناك تخوض البروليتاريا العالمية المعارك وتبني. هناك تتحدّى السلطة. هناك تعيش الماركسية.

ولكي تنخرط في هذا النضال، لا بد أن تمرّ الماركسية الغربية بعملية تطهير أيديولوجي بلا رحمة. يجب أن تطرد طفيليات التمركز الأوروبي، تتخلى عن إدمانها على الأخلاقوية، وتفك ارتباطها النجس بالليبرالية والتكنوقراطية الإمبريالية. يجب أن تتخلى عن افتتانها بالتمرد، وتتقبل واقع الثورة. أن تترك عبادة النقد، وتتعلم كيف تكون نافعة لحركات تنوي فعليًا الانتصار. يذكّرنا لوسوردو بأن اختبار النظرية ليس في حداثتها، بل في قدرتها على دفع التحرر قدمًا: كم سجنًا تهدم؟ كم مجاعة تنهي؟ كم بندقية تجبر الإمبراطورية على الانسحاب؟

وهذا يعني العودة إلى مبدأ لينين: الممارسة هي معيار الحقيقة. يعني إعادة بناء تنظيمات متجذرة في النضال الطبقي، وخصوصًا بين الفئات المستعمَرة، المهمّشة، والمستغَلّة إلى أقصى حد. يعني صياغة أممية مبدئية تقف إلى جانب المقاومة في غزة، والثوار في الفليبين، والمدافعين عن الأرض في كولومبيا، والاشتراكيين في مالي، والناجين في هايتي، والبنّائين في الصين، ليس كـ “حلفاء”، بل كرفاق في حرب عالمية مشتركة ضد الرأسمالية والإمبراطورية. لكن هذا يتطلّب أيضًا تنظيمًا داخل قلب الإمبراطورية نفسها. لا انسحابًا إلى التجريد الأكاديمي، ولا لا مبالاة عدمية، بل بناء أدوات ثوروية تستطيع اختراق البطن الطري للوحش. يتطلّب ذلك مواجهة التناقضات الطبقية داخل الطبقة العاملة الاستعمارية الاستيطانية، وفضح أرستقراطية العمال، وتسمية الأثمان المادية للبياض والإمبراطورية التي تشتري الولاء وتطفئ التضامن. يتطلّب ذلك الكفاح من أجل قطيعة ثوروية لا تسعى فقط إلى الإصلاح، بل إلى الانفصال الكامل باسم من تلتهمهم هذه المنظومة.

هذا العمل ليس براقًا، ولا مثيرًا كإصدار تفسير جديد لأدورنو، أو إعادة اختراع للديالكتيك، لكنه عمل الثورة. إنه مهمة القطع مع اليسار المتواطئ، ورسم خطّ فصل واضح بين من يخدم المظلومين ومن يخدم نفسه. ولوسوردو يوضّحها بلا لبس: بعث الماركسية في الغرب لن يحدث إلا إذا اصطففنا، ماديًا وسياسيًا، مع جبهة البروليتاريا العالمية المناهضة للاستعمار والإمبريالية. وكل ما دون ذلك هو خضوع.

هديّة لوسوردو الأخيرة لنا ليست نظرية جديدة، بل الوضوح: وضوح في موقعنا، وعدونا، وما يجب فعله. الغرب لن ينقذ الماركسية، لم يفعل ذلك أبدًا. لكن من داخل جثته المتحللة، يمكن للثورة أن تنمو إن امتلكنا الانضباط لنتخلّى عمّا تعلمناه، والتواضع لنتبع، والشجاعة لنقاتل.

الحرب الطبقية في النظرية: اختر موقعك

هذا الكتاب ليس مرآةً، بل شفرة. لوسوردو لا يريد إعجابك، بل يريد انشقاقك؛ انشقاقًا عن أيديولوجيا النقد نحو سياسة القوة. من كآبة الغرب إلى تمرد الجنوب، من ماركسية تستعرض راديكاليتها إلى ماركسية تخوض الحرب. إن جئت إلى هنا تبحث عن مراجعة فكرية أنيقة، فأنت في المكان الخطأ. هذا خطّ فصل.

لسنا مهتمين بالجدالات التي تهيمن على قاعات الندوات في الإمبراطوريات المتحللة: ما إذا كان أدورنو أكثر أناقةً من ألتوسير، أو ما إذا كان يمكن تحييد غرامشي بأمان داخل الدراسات الثقافية الليبرالية، أو إذا كانت همسات فوكو عن السلطة يمكن أن تعوّض بندقيةً في يد المظلومين. هذه ليست أسئلتنا. سؤالنا هو: هل تقف نظريتك إلى جانب المستعمَرين، المستغَلّين، وثوّار الأرض، أم تقف عائقًا في طريقهم؟

لأن هذا هو الرهان. في عالم يندفع نحو نهاية مناخية وإبادة نووية، لا توجد أرض محايدة. نقدك للصين ليس شجاعًا إن لم تجرؤ على تسمية الإمبراطورية الأمريكية. قلقك بشأن السلطوية بلا معنى إذا تجاهلت حصارات الجوع، وحروب الطائرات المسيّرة، والقيود الخانقة لصندوق النقد الدولي التي تفرضها المنظومة الليبرالية العالمية. ماركسيتك جوفاء إن لم تعترف بأن بناء الاشتراكية في الجنوب العالمي هو أهم مشروع تحرري في العصر الحديث.

الدرس الأخير من لوسوردو هو ذاته أول دروس لينين: عليك تسمية العدو الطبقي، لا بشكل مجرد، بل على نحو ملموس. هذا يعني تسمية الناتو، وآلة الحرب الأمريكية، والمؤسسات الرأسمالية التي تموّل الجامعات، وأصحاب المليارات الذين يرعون اليسار المتواطئ، ومديري اليأس الذين ينشرون الهزيمة باسم الحكمة. يعني رفض طقوس “التوازن” وعبادة التعقيد الأكاديمي التي تشلّ الالتزام.

في عام 1918، بينما كانت الجيوش الإمبريالية تحاول سحق المولود البولشفي، لم يكتب لينين قصائد، بل كتب الثورة البروليتارية، وواجه المرتد كاوتسكي. لقد فهم أن ساحة المعركة النظرية ليست عرضًا جانبيًا، إنها الجبهة الأيديولوجية للحرب الطبقية. ولوسوردو يرفع تلك الراية، وعلينا نحن أن نرفعها الآن: ضد الانتهازيين، ضد الباحثين عن المناصب، ضد تُجّار الحزن الذين يبيعون الشلل بلغة الشك الراديكالي، وضد الهيكل المتعفن للماركسية الغربية التي سعت إلى التعايش مع السلطة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى