العدد الثامن

لمحة تاريخيّة عن مصر السّياسيّة بين الماضي والحاضر – من الجذور إلى عهد الرّئيس عبد الفتّاح السّيسي

المقدّمة

تُعدّ مصر واحدةً من أقدم الدّول ذات الكيان السّياسي في التاريخ، إذ تشكّلت فيها أولى الممالك المنظّمة منذ آلاف السنين، وتطوّرت فيها نظم الحكم عبر مراحل زمنيّة متعدّدة. وقد مرّت مصر بتحوّلات سياسيّة كبرى أثّرت في مجرى تاريخها، من الحكم الفرعوني إلى الإسلامي، ومن السيطرة الأجنبيّة إلى الاستقلال الجمهوري، وصولًا إلى الجمهوريّة الحديثة.

وتُعدّ دراسة التّطوّر السياسي في مصر أمرًا بالغ الأهميّة لفهم الديناميكيّات الدّاخليّة للدولة والمجتمع المصري، لا سيّما في ظلّ ما شهدته البلاد من تحوّلات جذريّة في العقود الأخيرة، خصوصًا في ظلّ حكم الرئيس عبد الفتّاح السيسي.

أوّلًا – ملامح الحكم في مصر القديمة والوسطى:

١-الحكم الفرعوني:

ارتبطت السّلطة في مصر القديمة بمفهوم الحُكم الإلهي، حيث كان الفرعون يُعتبر إلهًا على الأرض، يجمع بين السلطتين الدينيّة والدنيويّة. واستمرّ هذا النمط حتّى سقوط الدولة الفرعونيّة.

٢- الفترات الهيلينيّة والرومانيّة والبيزنطيّة:

بعد غزو الإسكندر الأكبر لمصر عام 332 ق.م، دخلت البلاد تحت حكم البطالمة، ثم الرومان، فالبيزنطيين، وكانت الإدارة خلالها مركزيّة تتبع الحاكم الإمبراطوري في الخارج.

٣- الفتح الإسلامي (641م):

نُقلت السّلطة إلى الحكّام المسلمين، وشهدت مصر تطوّرًا إداريًّا ضمن الدولة الإسلاميّة، في ظلّ الخلافات الأمويّة والعبّاسيّة والفاطميّة، مرورًا بالحكم الطولوني، فالأيوبي، ثم المملوكي.

ثانيًا – الحقبة العثمانيّة والاحتلال الأوروبي:

١- الحكم العثماني (1517 – 1798م):

اتّسم بضعف السّيطرة المباشرة من الباب العالي، مما أتاح نفوذًا واسعًا للمماليك المحليّين، وأسفر عن ضعف في البنية السياسيّة والإداريّة للدولة.

٢-الحملة الفرنسيّة (1798 – 1801م):

على الرغم من قصر مدّتها، أدخلت مفاهيم سياسيّة جديدة أبرزها فكرة المجالس والإدارة المدنيّة الحديثة.

٣- محمد علي باشا (1805 – 1848م):

أسّس دولة حديثة قوية، وُضعت فيها اللّبنات الأولى لجيش وطني ومؤسّسات إداريّة واقتصاديّة فعّالة، ويُعدّ حجر الأساس لمصر الحديثة.

٤-الاحتلال البريطاني (1882 – 1952م):

فرضت بريطانيا هيمنتها على القرار السياسي المصري، على الرغم من وجود ملك شكلي، وكان هذا الاحتلال دافعًا لصعود الحركات الوطنيّة والمطالبة بالاستقلال.

ثالثًا – التحوّل إلى النظام الجمهوري بعد ثورة يوليو عام 1952م:

١- ثورة 23 يوليو 1952م:

قادها “الضبّاط الأحرار” وعلى رأسهم جمال عبد الناصر، وأدّت إلى الإطاحة بالملك فاروق، منهيةً بذلك الحقبة الملكيّة وبادئةً لعهد جديد من الحكم الجمهوري.

٢-جمال عبد الناصر (1956 – 1970م):

أعاد تشكيل الحياة السياسيّة على أسس اشتراكيّة وقوميّة، عبر تأميم المشروعات الكبرى، والإصلاح الزراعي، وبناء السد العالي. رسّخ دور الدولة في الاقتصاد والمجتمع، غير أنّ حكمه اتّسم بنظام الحزب الواحد وغياب التعدّدية السياسية.

٣- أنور السادات (1970 – 1981م):

أجرى تحوّلات جوهريّة، أبرزها سياسة “الانفتاح الاقتصادي” وتوقيع “اتفاقيّة كامب ديفيد” مع الكيان الصهيوني. كما سمح بهامش نسبي من التعدّدية السياسيّة.

٤-حسني مبارك (1981 – 2011م):

واصل نهج الاقتصاد الرأسمالي المنضبط، لكنّ الحياة السياسيّة شهدت تراجعًا ملحوظًا، مع استفحال البيروقراطيّة وانتشار الفساد، وفرض قيود صارمة على الحريات، ما مهد الطريق لثورة 25 يناير.

رابعًا – ثورة 25 يناير وتحوّلات ما بعد الثورة:

  • اندلعت الثورة في يناير 2011، مدفوعةً بتدهور الأوضاع الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة، وانتهت بتنحّي حسني مبارك عن الحكم.
  • تولّت المؤسّسة العسكريّة إدارة البلاد مؤقّتًا، وأُجريت انتخابات أفضت إلى فوز محمد مرسي، مرشّح جماعة الإخوان المسلمين، بمنصب الرئيس.
  • أثار أسلوب حكم الإخوان انقسامًا شعبيًا حادًا، وتسبّب في احتجاجات واسعة في 30 يونيو 2013، انتهت بعزل مرسي في 3 يوليو من العام نفسه.

خامسًا – الجمهوريّة الجديدة في عهد الرئيس عبد الفتّاح السّيسي:

  • تولّى الرئيس عبد الفتّاح السيسي الحكم عام 2014 بعد انتخابات شعبيّة، وبدأ مسارًا جديدًا في التاريخ السياسي الحديث لمصر.

أبرز ملامح العهد الحالي:

١- الاستقرار السياسي والأمني:

بعد سنوات من الاضطرابات والفوضى، استعادت مؤسّسات الدولة انتظامها، وتراجعت معدّلات الإرهاب بشكل ملحوظ.

٢- المشروعات القومية الكبرى:

شملت إنشاء العاصمة الإدارية الجديدة، وتوسيع شبكة الطرق، وحفر قناة السويس الجديدة، فضلًا عن مبادرة “حياة كريمة” لتحسين أوضاع الريف المصري.

٣-التعديلات الدستورية:

تم تعديل مدّة الرئاسة وتعزيز دور القوات المسلحة في الحفاظ على الدولة.

٤- تطوّر الدور الإقليمي لمصر:

عزّزت مصر علاقاتها وتحالفاتها الإقليميّة، وأدت أدوارًا نشطة في ملفات مثل القضية الفلسطينية، الأزمة الليبيّة، وملف الغاز في شرق المتوسّط.

٥- الملف الحقوقي والسياسي:

يواجه انتقادات من بعض المنظّمات الدولية بسبب تقييد الحريّات، بينما تؤكد الدولة أولويّة الأمن والاستقرار كشرطٍ أساسيّ للتنمية المستدامة.

الخاتمـــة:

مرّت مصر بتحوّلات سياسيّة عميقة ومعقّدة، من الملكية إلى الجمهوريّة، ومن الثورة إلى إعادة بناء الدولة الحديثة. ويُمثّل عهد الرئيس عبد الفتّاح السيسي مرحلة حاسمة في التاريخ السياسي المصري، حيث تُبذل جهود حثيثة لتحقيق الاستقرار والتنمية في مواجهة تحدّيات داخلية وخارجية متشابكة. إنّ فهم هذا المسار التحوّلي يمنحنا رؤية أشمل وأعمق لدولةٍ عظيمة مثل مصر، وكيف تطوّرت لتواكب متغيّرات العصر وتعيد رسم ملامح مستقبلها السياسي والاقتصادي.

د. ياسر داغر

باحث ومؤرخ في التاريخ الإسلامي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى