الكونفدرالية المشرقية: صرخة في وجه عبث الهويات
قراءة جدلية في كتاب أنيس النقاش
من يقرأ كتاب أنيس النقاش «الكونفدرالية المشرقية» يدرك أن الرجل لم يكن يكتب تنظيراً سياسياً بارداً، بل كان يطلق إنذاراً مدوياً في وجه حاضر يوشك أن يلتهم المشرق العربي والإسلامي. فالرجل، الذي خبر الصراع عقوداً، وعرك دهاليز السياسة والحروب، لم يكتفِ بتشخيص العلّة، بل وجّه سهامه مباشرة إلى جذر الأزمة: الهويات المفخّخة التي تُستخدم وقوداً لحروب لا تنتهي.
عبث الهويات: حين يتحول الانتماء إلى سلاح
يفضح النقاش الوهم الكبير: لسنا أمام صراع مذهبي أو قومي بريء، بل أمام صراع سياسات دولية وإقليمية، تُدار بدماء الشعوب عبر لعبة خطيرة اسمها «الهويات». الغرب يحرّكها، والنخب المحلية تتواطأ معها، بينما تتفكك المنطقة إلى أشلاء تُباع وتُشترى في أسواق النفط والسلاح.
الهويات، التي كان يمكن أن تكون جسوراً للغنى والتعدد، جرى تحويلها إلى ألغام متفجرة. من العشيرة إلى الطائفة، ومن القومية إلى المذهب، كل تفصيلة تحوّلت إلى خندق، وكل خندق إلى ذريعة لحرب. وهنا، يصرخ النقاش: «إما مشروع سياسي جامع، أو استمرار الانتحار الجماعي.»
المشروع البديل: كونفدرالية أو تفكك
في مواجهة هذا الخراب، يطرح الكتاب مشروع «الكونفدرالية المشرقية». قد يبدو العنوان حالماً، لكن جوهره واقعي وصادم: لا خلاص للمشرق من لعنة الفوضى إلا بصيغة سياسية جديدة تتجاوز حدود سايكس ـ بيكو، وتعيد بناء المنطقة على أساس المصالح المشتركة لا العصبيات القاتلة.
يرفض النقاش منطق «الوحدة الشعارية» التي سقطت منذ عقود، ويقترح كونفدرالية تسمح لكل دولة ومكوّن بالاحتفاظ بخصوصياته، بينما يُدار الأمن والاقتصاد والسياسة الخارجية بآليات مشتركة. مشروع قد يُنقذ العراق من دوامة الطوائف، وسوريا من النزيف، ولبنان من الابتزاز، وفلسطين من العزلة، ويمنح المنطقة قوة سياسية واقتصادية توازي الكتل الكبرى في العالم.
نقد الواقع: من الاستحمار إلى التبعية
اللاذع في خطاب النقاش أنه لا يُجامل أحداً. يصف العقل السياسي العربي بأنه رهينة «الاستحمار» والتبعية الفكرية للغرب، ويعتبر أن النخب الحاكمة إما مرتهنة، أو عاجزة، أو غارقة في فسادها.
لم يتردّد في كشف عجزنا الجماعي عن مواجهة أدوات الهيمنة:
الإعلام المسخّر لتأجيج الكراهية.
الاقتصاد المقيّد بالديون والريوع.
السياسة الخارجية المرهونة بصفقات مع قوى كبرى.
وبدل مواجهة هذه الوقائع، تُلقى الشعوب في أتون «الهويات القاتلة» ليُشغل كل مذهب وقومية بنفسه، ويستمرّ الآخرون في نهب المنطقة.
مشروع في مواجهة الاستحالة
ينطلق النقاش من حقيقة صادمة: المشرق لن ينجو منفرداً. الحدود الحالية ليست سوى خرائط استعمارية زرعتها سايكس – بيكو وحرسها الاستعمار الجديد. كل دولة محاصرة، ضعيفة بمفردها، قابلة للابتلاع. هنا يقترح كونفدرالية تضم لبنان، سوريا، العراق، الأردن، فلسطين، وربما لاحقاً دولاً أخرى، في إطار مؤسسات مشتركة:
أمن واحد لمواجهة التهديدات الإسرائيلية والإرهاب.
سوق اقتصادية موحّدة تستثمر الثروات والموارد المشتركة.
قرار سياسي منسّق يمنع الارتهان للخارج.
إنه مشروع لا يهادن ولا يجامل، بل يضع الأنظمة أمام خيارين: إما الاستمرار في التبعية، أو خوض مغامرة تاريخية تعيد للمشرق وزنه.
جدلية مع المشاريع السابقة
ولأن النقاش يعرف جيداً تاريخ المنطقة، يضع مشروعه في مواجهة المشاريع الأخرى:
1. القومية العربية الكلاسيكية: أحلام كبرى انهارت لأنها فشلت في إدارة التنوع. النقاش يتجاوزها عبر طرح وحدة تحترم الاختلافات وتبني عليها.
2. الوحدات القطرية الفوقية (مثل الوحدة المصرية السورية): قرارات فوقية انهارت سريعاً. يقترح النقاش كونفدرالية براغماتية تبدأ من المصالح العملية، لا من خطابات عاطفية.
3. المجالس الإقليمية الحديثة (الخليج/المغرب العربي): إما مجالس أمنية ضيقة أو مؤسسات مشلولة بالخلافات. النقاش يرى أن غياب الرؤية التحررية جعلها عاجزة. الكونفدرالية المشرقية، بالمقابل، خيار تحرري طويل المدى، لا تحالفاً موسمياً.
بين الحلم والواقعية
المشروع الكونفدرالي كما يطرحه يحمل جرأة فكرية، لكنه يواجه أسئلة قاسية: من سيقوده؟ كيف ستُحل النزاعات الداخلية؟ هل يمكن حقاً توحيد دول تتناحر جيوشها بالوكالة؟
يقدّم النقاش الإطار العام، لكنه لا يضع خارطة طريق مفصلة، وهذه ثغرة كبرى. لكنها أيضاً ميزة: فالكتاب ليس دستوراً مغلقاً، بل دعوة إلى التفكير والنقاش. إنه يحرّض على كسر المسلّمات أكثر مما يقدّم حلولاً جاهزة.
البعد الجيوسياسي العالمي
ما يجعل طرح النقاش أكثر إلحاحاً اليوم هو موقع المشرق في قلب الصراع العالمي. بين تمدد المشروع الصهيوني، وضغط النفوذ الأميركي، وصعود أدوار الصين وروسيا وإيران وتركيا، يجد المشرق نفسه ساحة صراع لا لاعباً مستقلاً.
الكونفدرالية هنا ليست ترفاً فكرياً، بل شرط وجود: فإما أن يتحول المشرق إلى كتلة قادرة على التفاوض والندية، أو يبقى مجرد فسيفساء ممزقة يتناوب الآخرون على التحكم فيها.
الخلاصة: كتاب في زمن الانهيار
اليوم، بعد سنوات على صدور الكتاب ورحيل مؤلفه، تبدو أفكاره أكثر إلحاحاً. فالمشرق يزداد تفككاً، والتدخلات الخارجية أكثر شراسة، بينما الهوية الجامعة تتآكل. هنا تبرز قيمة «الكونفدرالية المشرقية»: ليس كنص مثالي، بل كـصرخة سياسية ضد الاستسلام.
قد يختلف معه البعض، وقد يُتهم بالطوباوية أو الانحياز الأيديولوجي، لكن المؤكد أن النقاش وضع إصبعه على السؤال الكبير: هل نستمر في لعبة الهويات التي تقودنا إلى الهاوية، أم نجرؤ على بناء مشروع جديد يليق بتاريخ المشرق ومصالح شعوبه؟
أنيس النقاش يضعنا هنا أمام مسؤولية قاسية: إما أن نواصل الانتحار البطيء في كيانات هزيلة، أو أن نخوض مغامرة بناء مشرق جديد، متنوع لكنه موحّد، مثقل بالجراح لكنه قادر على النهوض.





