واشنطن وطهران: صراع السيادة واستراتيجية الاستنزاف
إن ما يقع اليوم بين واشنطن وطهران هو تصادم بين منطقين للسيادة والوجود: المنطق الأمريكي القائم على إدارة الأزمات بدل حلّها والهيمنة الشاملة، ومنطق إيراني يقوم على السيادة والمقاومة في مواجهة الهيمنة الأمريكية. وفي خضمّ هذا يمكننا الإجابة عن سؤال: لماذا تتدخل أمريكا في الشؤون الداخلية للدول؟
الجواب ببساطة: العُرف الاستراتيجي الأمريكي يجري على أن السيادة المطلقة هي امتياز أمريكي، وكل استقلال حقيقي من قبل القوى الأخرى يُعتبر خرقًا لنظام تبعية أرسته الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية.
تحدث هنري كيسنجر، السياسي الأمريكي، عن مفهوم إدارة الأزمة، وقال إنه لا داعي لحلّ الأزمات، بل إدامة التوترات. لأن من ذلك التوتر ستخرج منفعة ما، سواء اقتصادية أو استراتيجية، تتمثل في إضعاف طرف ما. وللولايات المتحدة تاريخ من استغلال التوترات، أهمها الحربان العالميتان، حيث جاء تدخلها الحاسم بعد أن استفادت اقتصاديًا من الحربين، وخوّلها ذلك إلى صعودٍ كقوة عالمية بنهاية الحرب الثانية. إذن، متى تتدخل أمريكا؟
إن تدخل الولايات المتحدة في التوترات الدولية، وأهمها الحروب، كان دائمًا حين تنتهي مصلحتها من تلك الحرب، أو حين تبدأ مصلحة أخرى في التدخل ذاته، كتجديد شرعية المؤسسة العسكرية، أو التدخل من أجل الموارد، أو لشنّ الضربة القاضية على نظام أنهكته سلفًا اقتصاديًا واستراتيجيًا.
إيران كعقدة جيوسياسية لا كخصم عابر:
تُمثل إيران، العقدة المركزية فيما يُسمّى بالمحور الشيعي، الذي يمتد من طهران إلى بيروت، والخصم الاستراتيجي لإسرائيل في الشرق الأوسط، ولربما الوجودي إذا حُقِّقَت الأهداف النووية الإيرانية. كما لا ننسى أنها الجزء الأهم في الاستراتيجية الروسية والصينية لإضعاف النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط. بالتالي، إيران ليست العدو الذي يمكن الاستهانة به، وواشنطن تعي هذا جيدًا، وتعي أن الهجوم على طهران لن يكون كالهجوم على العراق وأفغانستان أو فنزويلا، بل قد يكون انتحارًا جيوسياسيًا بالمعنى التام للكلمة. وهو ما يفسّر عدم إقدام الولايات المتحدة على هجوم حقيقي يستهدف رأس السلطة في إيران منذ عقود من قيامه، رغم أن النظام الإيراني معادٍ للسياسة الأمريكية.
من إدارة الأزمات إلى هندسة الاستنزاف:
إن أحداث الصائفة الفارطة جعلتنا نتيقن أن قرار الهجوم القوي يقع تفعيله في حالات معيّنة في السياسة الأمريكية، أهمها حماية وجود إسرائيل في الشرق الأوسط ووجود أمريكا في حدّ ذاته. لذلك ضُرِبَت البنية التحتية النووية في إيران لمنع امتلاكها سلاحًا نوويًا قد يقلب موازين القوى في الشرق الأوسط، ويجعل لإيران حصانة نووية تمنع أي تدخل عسكري ضدها مستقبلًا. وهذه الخطوة كانت من أهم الخطوات الاستراتيجية التي نفذتها إسرائيل وأمريكا ضد النفوذ الإيراني. غير أنه، ورغم الإطاحة بالمشروع النووي إن كان حقًا تمت الإطاحة به، تظل إيران خصمًا قويًا، لذلك انتهجت الولايات المتحدة تجاه طهران استراتيجية الاستنزاف البطيء، حتى تصل إلى تفجير التناقضات في الشارع الإيراني.
وهذه الاستراتيجية تتجلى في مراحل:
أولها الاستنزاف الاقتصادي عبر فرض عقوبات تستهدف القطاعين النفطي والتمويلي، من أجل شلّ قدرات الدولة على توفير سبل الرفاه والحياة الكريمة لمواطنيها، وجعل الدولة كيانًا عاجزًا، فيتضخم السخط الشعبي. والمرحلة الثانية الاستنزاف الجيوسياسي، عن طريق الضغط المستمر على مناطق النفوذ الإيراني في سوريا والعراق واليمن ولبنان، ومحاولة قطع الأذرع العسكرية الإيرانية في هذه الدول، ومن أبرزها حزب الله. وبالتالي، كل هجمة إسرائيلية على هذه المناطق هي جزء من استنزاف رأس المال السياسي والعسكري الإيراني، ما يجعل إيران مخيّرة بين الإنفاق على أذرعها والمحافظة على نفوذها في الخارج، أو تحقيق مطالب شعبها الساخط في الداخل، وكلا الخيارين انتصار لاستراتيجية واشنطن.
والمرحلة الثالثة هي وضع مسألة الأمن القومي في إيران موضع شك، من خلال شنّ هجمات في العمق الإيراني تستهدف كسر شوكتها الإقليمية وقوتها العسكرية. وقد تحقق ذلك في الهجمات على المنشآت النووية، والتي لم تستهدف البرنامج النووي فقط، وإنما السيادة والأمن الإيرانيان، وثقة الشعب بالسلطة. أما المرحلة الرابعة، والتي بلغتها إيران اليوم، فهي الاستنزاف الاجتماعي عبر دعم المطالب الاجتماعية، ومحاولة تسييس الهويات، وتقديم الحرية كإغراء، وجعل المجتمع الإيراني من الداخل يحارب عزلته الدولية، ويطمح للحداثة على الطريقة الغربية من أجل الفوز بالحرية والديمقراطية وحياة كريمة، وذلك عبر حرب التصريحات، ودعم المتظاهرين، والسيطرة على الرواية، واستهداف شرعية النظام بوصفه حارسًا للعدالة والقيم، إلى نظام مستبد، وتحويل الدولة إلى دولة قمع وريع. إذا كان ذلك واقعًا حقًا، فإن واشنطن ستستغل قصور هذا النظام، سواء على المستوى الديمقراطي أو الاجتماعي والاقتصادي، وتدعم الانقلاب ضده.
نهاية الاستنزاف وبداية الحسم:
إذن، في نهاية الأمر، ما الذي تريده أمريكا حقًا؟ إنها لا تريد انهيارًا فوضويًا يفتح الباب أمام التنظيمات الجهادية، ولا تريد انتصارًا عسكريًا يكلفها ثمنًا باهظًا، بل ما تريده حقًا هو إيران منهكة ومذلّة، يسقط فيها النظام الذي عادى أمريكا منذ قيامه على يد الشعب، مما يكلفها أقل الخسائر، فيقتصر دورها على تحريض المتظاهرين وإشعال الشارع. وبالتالي، يقع تنصيب رأس سلطة جديد على مقاييس واشنطن، موالي لها، ولربما يكون نجل الشاه رضا بهلوي الخيار الأفضل لارتباط تاريخ والده وجدّه بالولاء للغرب، أو شخصًا آخر؛ المهم أن يجعل من إيران دولة تخضع للنظام الأمريكي، ولا تتمرد عليه، مفرغة من سيادتها، تتوقف عن برنامجها النووي، توقف دعم أذرعها في الخارج، وتفتح اقتصادها للأسواق الغربية، وتصبح في أفضل الأحوال “يابان الشرق الأوسط”.
وتحقيق هذه الأهداف يظل مرتبطًا بقوة النظام الإيراني ومدى قدرته على احتواء الأزمة الداخلية دون تقديم ورقة رابحة لأمريكا، من خلال قمع المتظاهرين.
صفوة القول، ليس المشهد مجرد أزمة سياسية، بل معركة وجودية استراتيجية بين نموذجين للحكم، تسعى فيها واشنطن إلى مواصلة سلسلة التدخلات الدولية وفرض سيادتها العالمية بعد تآكل النظام الدولي الذي أرسته عقب الحرب العالمية الثانية، في حين تحاول إيران الصمود بين مشاكل داخلية وتحريض خارجي. النتيجة ليست محسومة، فلعبة السياسة لا تكفّ عن تقديم المفاجآت، غير أن الثابت دائمًا هو دفع الشعوب لثمن هذه اللعبة.





