الشرق الأوسط في لحظة الانفلات المحسوب
لم يعد الشرق الأوسط يعيش مرحلة الترقب التقليدي لحرب محتملة. تلك المرحلة انتهت. كما انتهى معها الوهم بأن ما يجري يمكن اختصاره بجولات تصعيد عابرة أو رسائل نارية محدودة السقف. منذ السابع من تشرين الأول، دخلت المنطقة طورًا مختلفًا كليًا: طور تُستخدم فيه القوة بلا محاذير أخلاقية واضحة، وبلا قيود زمنية محددة، لكن من دون الإعلان بعد عن حرب إقليمية شاملة.
هذا التناقض ليس تفصيلًا. هو جوهر المرحلة.
ما يجري ليس سلمًا، وليس حربًا كاملة. هو حالة وسطى خطرة، تُدار فيها المواجهة بوعي، لكن من دون ضمانات. حالة يُدفع فيها التصعيد إلى الحافة، ثم يُترك هناك، مع افتراض أن أحدًا لن يخطئ الحساب. المشكلة أن الحواف، في الشرق الأوسط، لا تبقى ثابتة طويلًا.
قبل هذا التاريخ، كان الافتراض السائد أن كلفة الحرب الطويلة تشكّل عنصر ردع، وخصوصًا بالنسبة إلى إسرائيل. دولة اعتادت تسويق نفسها بوصفها تحسم بسرعة، وتخوض حروبًا قصيرة، وتخشى الاستنزاف لما له من انعكاسات مباشرة على مجتمعها واقتصادها وصورتها الدولية. لكن ما بعد السابع من تشرين الأول أسقط هذه المعادلة.
إسرائيل اليوم لا تتصرف كدولة تخشى طول الحرب. على العكس. هي تتصرف كدولة قررت أن طول المواجهة جزء من الحل، لا عبئًا عليه. العقيدة القتالية تغيّرت. الإفراط في استخدام القوة، توسيع نطاق التدمير، وتحمّل ضغوطاً سياسية وإعلامية غير مسبوقة، باتت كلها عناصر مبرَّرة تحت عنوان واحد: الأمن الوجودي.
هنا تحديدًا تغيّرت معايير الكلفة. ما كان يُعدّ غير محتمل قبل أشهر، أصبح مقبولًا اليوم. ليس لأن الحسابات اختفت، بل لأن تعريف الخسارة تغيّر. الحرب لم تعد مرتبطة بمدة زمنية أو بأهداف قابلة للقياس، بل بإعادة تشكيل البيئة المحيطة بالقوة الإسرائيلية، مهما كانت التداعيات. الاعتبارات الإنسانية والقانونية والدبلوماسية لم تختفِ من الخطاب، لكنها خرجت من دائرة الكبح الفعلي، ودخلت دائرة الإدارة السياسية للأزمة.
لكن الحديث عن تعدد الجبهات لا يعني أن الساحات كلها في حالة اشتباك مفتوح. هذه نقطة أساسية غالبًا ما تُشوَّش عمدًا.
في غزة، انتهت الحرب عسكريًا. لم تنتهِ القضية، ولم تُحسم النتائج، لكن العمليات العسكرية الواسعة توقفت، وانتقل الصراع إلى مرحلة مختلفة؛ ضغط سياسي وأمني مكثّف على حركة حماس، ومحاولة فرض شروط ما بعد الحرب بدل مواصلتها. المعركة هنا لم تعد بالنار، بل بالمفاوضات القسرية، والحصار، وإعادة رسم المشهد السياسي.
الأمر نفسه ينطبق على المواجهة المباشرة بين إيران وإسرائيل. جولة الضربات المتبادلة، التي استمرت قرابة ثلاثة عشر يومًا، أصبحت من الماضي. كانت جولة استثنائية، كسرت محظورات قديمة، لكنها انتهت عند حدّ معيّن. بعدها، عاد الطرفان إلى نمط أكثر خطورة، الاستعداد. الاستعداد لا يعني التهدئة، بل التحضير والفارق بين الاثنين كبير.
أما في لبنان، فالصورة أوضح من أي تأويل سياسي أو إعلامي. منذ إعلان وقف إطلاق النار، التزم الجانب اللبناني بالاتفاق بالكامل. لم تُطلق رصاصة واحدة من الأراضي اللبنانية. في المقابل، لم تلتزم إسرائيل، واستمرت في القصف والاغتيالات وتدمير القرى والبنى التحتية بشكل شبه يومي. الجنوب اليوم ليس جبهة اشتباك متبادلة، بل ساحة انتهاك مفتوح للسيادة، تُدار كأداة ضغط من طرف واحد.
هذا الواقع لا يعكس توازنًا في المسؤولية، ولا يمكن تسويقه كذلك. هو نتيجة مباشرة لعجز الدولة اللبنانية عن فرض أي معادلة ردع أو حماية، ونتيجة لتحمّل لبنان كلفة صراع إقليمي لم يكن شريكًا في قراره.
في قلب هذا المشهد كلّه، يبرز العامل الأميركي. ليس كعنصر ضابط، بل كعامل تصعيد محسوب.
الولايات المتحدة تقول إنها لا تريد حربًا شاملة مع إيران. هذا صحيح شكليًا. لكنها، في الوقت ذاته، تتصرف كدولة تُحضّر لهذه الحرب. التهديدات العلنية تجاه طهران، اللهجة السياسية المتصاعدة، والحشد العسكري غير المسبوق في المنطقة، كلها مؤشرات لا يمكن فصلها عن سيناريو الحملة العسكرية، حتى لو لم يُتخذ القرار النهائي بعد.
ما يجري يتجاوز بكثير مفهوم “طمأنة الحلفاء” أو “الردع الوقائي”. نحن أمام إعادة تموضع عسكري أميركي واسع، حاملات طائرات، تعزيز القواعد الجوية والبحرية، نشر منظومات دفاع جوي وصاروخي متعددة الطبقات، وتمركز قوات في نقاط تماس حساسة في الخليج وشرق المتوسط. هذا النوع من الحشد لا يُبنى في أيام، ولا يُفكك بسرعة.
يضاف إلى ذلك فتح المخازن الاستراتيجية لإسرائيل، والجسر الجوي والبحري المتواصل، والتدخل الأميركي المباشر في اعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة. عمليًا، الولايات المتحدة طرف عسكري في قلب الصراع، حتى لو تجنّبت الإعلان عن ذلك.
هل يعني هذا أن قرار الحرب اتُّخذ؟ لا. لكن يعني أن الحرب لم تعد خيارًا مستبعدًا. واشنطن لا تريدها، لكنها تتهيّأ لها، وتستخدم التهديد كأداة ضغط قصوى. الخطورة هنا أن هذا السلوك يضيّق هامش المناورة، ويجعل أي خطأ في الحساب، أو أي حادث غير محسوب، شرارة محتملة لتصعيد واسع يصعب احتواؤه.
في هذا السياق، تبدو المنطقة وكأنها تعيش حالة انفلات مُدار. كل طرف يختبر الخطوط الحمراء للطرف الآخر، ويدفع التصعيد إلى الحد الأقصى الذي يعتقد أنه يمكن تحمّله. لكن هذه الخطوط لم تعد ثابتة. مع كل سابقة تُكسر من دون رد شامل، تتقدّم الحافة خطوة إلى الأمام.
الخليج العربي، رغم حرص دُولِهِ على الظهور بموقع المتماسك، ليس بمنأى عن هذا المشهد. الجغرافيا، القواعد العسكرية الأميركية، والممرات البحرية الحيوية، تجعل أي مواجهة أميركية – إيرانية تهديدًا مباشرًا لأمن الطاقة العالمي وللاستقرار الداخلي لهذه الدول. لذلك تحاول العواصم الخليجية السير على حبل دقيق: شراكة استراتيجية مع واشنطن من جهة، وتجنّب الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة مع طهران من جهة أخرى. لأن كلفة الحرب هنا لن تكون عسكرية فقط، بل اقتصادية واجتماعية وسياسية.
الأخطر في المرحلة الراهنة ليس فقط احتمال اندلاع حرب شاملة، بل طول أمد هذه الحالة الرمادية. المواجهة التي لا تُحسم، ولا تُضبط بقواعد واضحة، تتحول تدريجيًا إلى استنزاف شامل. الاقتصادات تتضرر، المجتمعات تُنهك، والقدرة على التفكير الاستراتيجي تتراجع لصالح إدارة الأزمات اليومية.
التجربة التاريخية تقول شيئًا واحدًا بوضوح: الحروب الكبرى نادرًا ما تبدأ بقرار معلن. غالبًا ما تكون نتيجة تراكم تهديدات، سوء تقدير، أو حادث يخرج عن السيطرة. وفي بيئة مشبعة بالسلاح، ومفتوحة على تدخلات مباشرة لقوى كبرى، يصبح هامش الخطأ قاتلًا.
الشرق الأوسط اليوم عند مفترق حاسم. إما تُعاد صياغة قواعد اشتباك أكثر صرامة، أو تستمر لعبة الحواف حتى يقع الاصطدام الكبير. في الحالتين، الثابت أن المنطقة خرجت من زمن الصراعات التقليدية، ودخلت زمنًا أكثر قسوة. المواجهة قائمة. الحرب مؤجّلة. لكن الاستعداد لها جارٍ… وبصمت.





