العدد التاسع

الثورة الإيرانية 1979: بين الماركسية، مناهضة الإمبريالية والرؤية الاسلامية

حين اندلعت الثورة الإيرانية سنة 1979، لم تكن مجرّد تمرّدٍ عابرٍ على سلطة الشاه المدعومة من الغرب، بل لحظةً فارقةً أعادت تشكيل المشهد السياسي في الشرق الأوسط، وزعزعت كثيرًا من النظريات التقليدية حول طبيعة الثورات.

فمن جهة، عُدّت الثورة ردَّ فعلٍ على أزماتٍ اجتماعيةٍ واقتصاديةٍ، وعلى تفاوتٍ طبقيٍّ صارخ، ما دفع بعض المفكرين إلى تصنيفها ضمن الأنموذج الماركسي الكلاسيكي للثورات. غير أنّها، في المقابل، جاءت بقيادة رجل دينٍ كاريزميّ هو آية الله الخميني، الذي رفع راية الإسلام وأعاد صياغة مفهوم الأمة في مواجهة الاستبداد والتبعية الإمبريالية. هذه الثنائية منحت الثورة الإيرانية طابعًا خاصًّا، يصعب حصره في قالبٍ أيديولوجيٍّ واحد.

قبل سنواتٍ من اندلاع الثورة، كان للفكر الماركسي حضورٌ قويّ في الساحة الإيرانية. فمنذ تأسيس حزب توده الشيوعي عام 1941، ارتبطت الماركسية بالحركات العمالية والطلابية والنخب المثقفة، وأصبحت أداةً لانتقاد الرأسمالية المحلية وللتنديد بسياسات الشاه الموالية للغرب. وقد أدى الحزب دورًا بارزًا، ولا سيّما خلال أزمة تأميم النفط التي قادها محمد مصدق. غير أنّ مواقفه المتقاربة أحيانًا من الاتحاد السوفييتي أدّت إلى توتّر علاقاته مع القوميين والإسلاميين. وبعد عودة الشاه إلى الحكم في أعقاب الانقلاب المدعوم أمريكيًّا وبريطانيًّا سنة 1953، تعرّض الحزب لحملة قمعٍ شرسة دمّرت بنيته التنظيمية. ومع ذلك، ظلّ حزب توده رمزًا للمقاومة، ومعقلًا لفكرة العدالة الاجتماعية في نظر الكثيرين.

ومع أواخر الستينيات وبداية السبعينيات، من القرن الماضي، ظهرت محاولات لتقريب الماركسية من المرجعية الإسلامية، في مسعى لبناء خطابٍ ثورويٍّ أكثر قربًا من الثقافة الشعبية. فقد مزجت بعض الجماعات المسلحة، مثل “مجاهدي خلق”، بين العقيدتين، بينما قدّم المفكر علي شريعتي قراءةً أعمق؛ إذ استعان بأدوات التحليل الماركسي لتفكيك البنية الطبقية، لكنه صاغها ضمن سرديةٍ دينيةٍ مستوحاة من كربلاء، ومن الوعي الشيعي التاريخي بالمظلومية.

لم يكن شريعتي شيوعيًّا، لكنه رأى في الماركسية أداةً فعّالةً لفهم الاستغلال، حتى وإن رفض جوهرها المادي. وبهذا الطرح، استطاع أن يجتذب فئةً واسعة من الشباب الجامعيين الباحثين عن جسرٍ يصل بين التقاليد الدينية والطموحات الثوروية الحديثة.

عندما اشتعلت الثورة في أواخر السبعينيات، اجتمع اليساريون والإسلاميون حول هدفٍ مشترك: إسقاط النظام الملكي وإنهاء التبعية للغرب. كان هذا التحالف، على الرغم من هشاشته، ضروريًّا في مواجهة قوة النظام وأجهزته الأمنية، وعلى رأسها جهاز السافاك. لكن اللحظة الثوروية لم تدم طويلًا؛ فما إن استقرّت الجمهورية الإسلامية بقيادة الخميني حتى بدأت ملامح التحالف تتلاشى، وراح اليسار يتراجع أمام صعود التيار الديني الذي أحكم قبضته على الدولة الجديدة.

اللافت أنّ الخطاب السياسي للجمهورية الإسلامية تبنّى، في مرحلة ما بعد الثورة، العديد من المفاهيم المأخوذة من الأدبيات اليسارية، لكن بلغة دينية. فمصطلحات مثل المستضعفين والمستكبرين أصبحت محورية في خطاب النظام، وهي قريبة في جوهرها من ثنائية المستغِل والمستغَل في الفكر الماركسي، لكنها غُلِّفت بروحٍ قرآنية قرّبتها من وجدان العامة. وبهذا الأسلوب، أعاد النظام إنتاج الكثير من مفردات اليسار ضمن منظومته الخاصة.

تشير دراسات عديدة إلى أنّ التيارات اليسارية آنذاك قلّلت من شأن الحضور الشعبي للدين، وافترضت أنّ الإسلام السياسي مجرّد أداة ظرفية في صراع أوسع ضد الهيمنة الأجنبية. لكن ما جرى أثبت العكس: الإسلام السياسي لم يكن واجهة مؤقتة، بل جوهر المشروع الثوروي الجديد. فقد أسّس شرعيةً مزجت بين الهوية القومية والرمزية الدينية، وهو ما عجزت الماركسية عن توفيره. واستطاع الخميني أن يجعل الثورة نابعة من لغة الشارع ومتماهية مع وجدان الناس، بينما بقي اليسار أسيرًا لخطابه النخبوي.

واليوم، وبعد أكثر من أربعة عقود على الثورة، ما زالت تداعياتها ترسم ملامح الواقع الإيراني. فقد تراجع اليسار إلى الهامش، في حين ظلّ المشروع الديني–السياسي مهيمنًا على الرغم من التحديات والأزمات المتلاحقة. وواصل النظام الإيراني تقديم نفسه كحامل لواء “المقاومة” في مواجهة الهيمنة الغربية؛ وهو الشعار الذي شكّل في السبعينيات نقطة التقاء بين الإسلاميين واليساريين، لكنه اليوم بات خطابًا إسلاميًّا صرفًا، فيما انحسرت الماركسية إلى نطاقات ضيّقة بين بعض النخب الأكاديمية وأوساط الشتات.

الأزمات الراهنة في إيران تُعيد إلى الأذهان ملامح الثورة الأولى. فالمشكلات الاقتصادية والفوارق الاجتماعية ما زالت قائمة، وهي ذاتها القضايا التي طالما ركّز عليها اليسار: من البطالة والتضخّم، إلى العقوبات والهوة المتزايدة بين الطبقات. غير أنّ الدولة تواجهها بخطابٍ يمزج بين الدين والسيادة، معتبرةً أنّ ما يجري امتداد لمعركة بدأت عام 1979. بهذا المنطق، لم تتوقف الثورة، بل تحوّلت إلى نظامٍ يسعى إلى إعادة شرعنته عبر استدعاء مستمر لرمزية المقاومة.

ومع تصاعد الحركات الاحتجاجية في السنوات الأخيرة، من مظاهرات البنزين سنة 2019 إلى حراك “المرأة، الحياة، الحرية” عام 2022، عادت المطالب الاجتماعية إلى الواجهة، ولكن في غياب يسارٍ قويّ يقودها. فالجيل الجديد في إيران لا ينتمي بالضرورة إلى المدارس الأيديولوجية القديمة، بل يرفع شعارات الحرية الفردية والعدالة والكرامة. ومع ذلك، تبقى بعض أدوات النقد الماركسي حاضرة ضمنيًّا في قراءة الفساد وغياب المساواة.

تُبرز التجربة الإيرانية أنّ الثورة ليست لحظةً مفاجئة تنفجر فيها الشعوب، بل مسارٌ طويل تتقاطع فيه العوامل الاقتصادية والثقافية والرمزية. وقد أثبتت ثورة 1979 أنّ الناس لا يتحركون فقط بدافع الجوع أو الظلم المادي، بل أيضًا بدوافع الهوية والدين والرموز الجامعة. واليوم، ومع تفاقم الأزمات، يظل السؤال مطروحًا: هل يمكن للماركسية أن تعود قوةً معارضة تعبّر عن صوت العدالة الاجتماعية؟ أم أنّ الإطار الديني سيبقى هو المهيمن على المشهد السياسي الإيراني؟

الجواب يبقى رهن المستقبل، لكن المؤكد أنّ ما جرى عام 1979 لا يزال يحدّد حاضر إيران، ويعيد صياغة معنى “الثورة” في الوعي العالمي: من مشروعٍ طبقيّ كما رآه الماركسيون، إلى مشروعٍ ديني–سياسي أعاد رسم وجه الجمهورية الإسلامية، وما زال يرسم ملامحها حتى اليوم.


المراجع

  • Val Moghadam, Socialism or Anti-Imperialism? The Left and Revolution in Iran, New Left Review.

  • The Iranian Revolution of 1979: Confronting Theories of Revolution and Charisma.

Iran 1979: Between Anti-Imperialism and Socialism, The Fire Next Time.

د. عباس طفيلي

باحث وخبير إحصائي - فرنسا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى