العدد الرابع عشر

أرشيف إبستين وجنازة “الخجل” في زمن سيادة التوحّش

لم تكن رياح شباط 2026، وهي تعصف بأرشيف “جيفري إبستين” لتقذفه في وجوهنا، مجرد تقلب مناخي في سماء الفضائح المعتادة؛ بل كانت إعصاراً يضرب ما تبقى من بنية تحتية للأخلاق الغربية، بعد أن رأينا في الأمس القريب قيام جيش غربيّ بالاستحواذ على قنوات البث الإعلاميّ في الضفة الغربية في فلسطين، وقيامه بإغراقها على مدار الساعة بمواد جنسانيّة تغتصب مخيال الطفولة والإنسانيّة بلا أي وازع – وبقرارْ مؤسّسيّ. ها نحن اليوم نجد بين أيدينا ملايين الصفحات الغارقة في حبر البيروقراطية وسواد الضمائر، في حدثٍ يتجاوز كونه استحقاقًا قانونياً يمكن تأطيره في قاعات المحاكم. إنه، وبدقة جراحية، “تقرير تشريح” لجثة ما كان يُسمى سابقاً بـالعقد الاجتماعي؛ هذه الأوراق ليست خريطة لعصابة مارقة شذّت عن القاعدة، بل هي المخطط الهندسيّ الحقيقي (Blueprints) للحوكمة الموازية التي تدير العالم من خلف الستار، تلك المنظومة الخفية التي حولت مفهوم “سيادة القانون” إلى فلكلور بائس، ونكتة سمجة لا تضحك أحداً إلا السذج. نحن لا نحدق في فضيحة جنسية، بل نحدق في “شبكة الصرف الصحي” التي تجري تحت أساسات الدولة الحديثة، سيادة تعمل في قلب المؤسسات، لكنها تتعالى بوقاحة فوق أسوارها.

يكمن “المسدس المتجمّر” لهذه الجريمة الحضارية في تلك البرودة الإدارية التي كشفتها مسودة لائحة الاتهام لعام 2007. في لحظة، تعري النظام العالمي ليكشف عن عورته القبيحة: نظام عدالة فصاميّ؛ من جهة، لدينا وثيقة فيدرالية دامغة من 53 صفحة، كانت جاهزة للإطباق على المفترِس، مفصلةً ثلاثين تهمة جنائية مرعبة تشمل الاتجار بالبشر واستباحة القاصرين. ومن جهة أخرى، نرى القدرة السحرية لـ “الشبكة” على تبخير هذه المصيبة وكأنها لم تكن! إن دفن هذه اللائحة، وتوقيع “اتفاق عدم الملاحقة” لم يكن مجرد فشل إجرائي أو فساد وظيفيّ أو تحايلٍ عابر؛ بل كان “مفاوضات نِديّة” بين كيانين سياديين متساويين: الدولة الأمريكية، ودولة الابتزاز الإبستينية. لقد اعترفت الدولة، عملياً، بأن إبستين يحوز “حصانة دبلوماسية” من نوع خاص، مما أتاح له التفاوض على نظام عدالة مصمم على مقاسه، بينما وقف مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) موقف المتفرج العاجز. كانت تلك اللحظة هي التدشين الرسمي لـ “مأسسة نظام الأذناب”: الدولة تحمي المفترس، وفي المقابل، يدير المفترس “سجن بانوبتيكون” (Panopticon) ليراقب، يصور، ويوثق سقطات نخبة العالم، محولاً رذائلهم إلى عملة صعبة في بنك النفوذ السياسي.

لقد تمددت “حكومة الظل” هذه كالأخطبوط لتخنق أكثر الساحات الجيوسياسية حساسية. ترسم الملفات مساراً يدعو للغثيان والذهول معاً، يطال شخصيات بوزن اللورد بيتر ماندلسون، مهندس حزب العمال البريطاني، الذي لم يجد حرجاً في مشاركة إحاطات سرية حول الأزمة المالية لعام 2008 مع إبستين قبل أن يسمع بها دافعو الضرائب. والأكثر جموحاً في هذه السريالية السياسية هو محاولة الوصول إلى الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد، حيث نصب إبستين نفسه قناة خلفية سرية، مدفوعاً بنزق سادي يجد نشوته القصوى في انتهاك المحرمات السياسية والدولية. بالنسبة لشخصيات من طينة إبستين -والطبقة المعفاة من المحاسبة التي رعاها- لم يكن الاستقرار العالمي هدفاً، بل سلعة للمضاربة في “سوق النخاسة الدولي” – السياسة هنا ليست إدارة للشأن العام، بل امتدادًا للنزوة الفرديّة بوسائل أخرى.

ومع ذلك، تقدم لنا ملفات 2026 درساً بليغاً في التناقضات، حين نقرأها عبر عدسة البيت الأبيض في عهده الترامبي. في أي نظام سياسي يحتكم للمنطق التقليدي، كان الكشف عن أن وزير التجارة الأمريكي الحالي، هوارد لوتنيك، قد جدول غداءات حميمة في بؤرة شبكة للاتجار بالجنس ليكون حدثاً كفيلاً بإسقاط حكومات بأكملها. وكان مجرد ظهور المراسلات الودية بين السيدة الأولى وغيسلين ماكسويل (عزيزتي جي) كفيلاً بإجبار الرئيس على الاعتذار بالحد الأدنى، تحت وطأة العار. لكننا غادرنا زمن العقلانيّة؛ نحن نعيش الآن في “حقبة التيفلون”، حيث القادة تخلصوا من عبء القيم والأخلاق، حتى أصبحت فضائحهم تنزلق عنهم، دون أن تترك أثراً.

هنا تكشف الملفات عن الفارق الجوهري والأنطولوجي بين “طبقة الأذناب التقليدية” (مثل آل كلينتون والأكاديميين الليبراليين) وبين “النواة الترامبية الحرجة”؛ حين ينفضح “الأذناب”، ينهارون وينصاعون، لأن سلطتهم كانت تستند أصلاً إلى ادعاء كاذب بالتفوق الأخلاقي وبياض الكف. أما ترامب ومداره، فيعملون وفق ميكانيكا مختلفة تماماً: “السيادة البلطجية” (Gangster-Sovereign). لأكون أكثر وضوحاً: القاعدة الشعبية لا تدعم ترامب؛ لأنهم يتوهمون أنه قديس؛ بل يدعمونه لأنهم يرونه “وحشاً كاسراً” يعمل لصالحهم (He is our monster). إن الكشف عن أن وزير تجارته كان يمارس طقوس “الخبز والملح” في جزيرة “ليتل سانت جيمس” لا يُهضم عند الجمهور الترامبي باعتباره خيانة، بل كدليل دامغ على “الوصول” والنفوذ. كما يقول اللبنانيون بلهجتهم المحليّة: “هيدا زلمة واصل”. في الحسابات الساخرة والعدمية لعام 2026، كانت الجزيرة ببساطة هي “الغرفة الخلفية” التي تُعقد فيها الصفقات الكبرى، وإذا كان لوتنيك هناك، فالمنطق الشعبوي يقول: “إذن هو في الغرفة التي تُقتسم فيها كيكة العالم، وهذا جيد لنا”.

تحت هذا الهيكل السياسي المتوحش – بشقيه الليبرالي المنهار والترامبي الصاعد – يكمن رعب نفسانيّ وميتافيزيقي أعمق: “انعدام اللذة” (Anhedonia). إنه العجز المرضي عن الشعور بالمتعة من الأنشطة الإنسانية الطبيعية. حين يمتلك المرء موارد لا نهائية، وحين تضمن له السلطة صفراً من المساءلة، تذوب الحياة العادية في فراغ أسود؛ وتفقد الأشياء طعمها ولونها. في تلك الذات المخرومة، يموت الشعور بالرغبة، ويصبح “الضجر” قاتلاً صامتاً. ولأجل أن يشعروا بشيء ما، أي شيء، لا بد لهم من “التجاوز” (Transgression). لا بد من كسر المحرم، وسحق براءة الآخرين ليشعروا هم بقوتهم الفريدة. تكشف الملفات عن طبقة “النخّاسين الجدد” (منظمي المواعيد) التي أدارت تدفق الضحايا ببرودة تشبه إدارة سلاسل التوريد في الشركات الكبرى! إنها “بيروقراطية الافتراس”، حيث جُرد الانتهاك من أي عاطفة، واختُزل “الإجراء” في رسائل إلكترونية جافة حول “توفر المخزون” قبل إبرام الصفقة. لقد نُزعت عن الضحايا صفة “الذات البشرية”، وعوملنَ لا كبشر من لحم ودم، بل كوحدات استهلاكية ضمن مسارات لوجستية لتلبية الجاهزية المطلقة التي تطلبها نخبة مريضة يفتك بها السأم الوجودي.

أخيراً، يبدو إفراج وزارة العدل الترامبية عن هذه الملفات – بتنسيق ماكر من تود بلانش – تطبيقاً حرفياً لاستراتيجية “الأرض المحروقة”. الخطة ليست تحقيق العدالة، بل إغراقنا بملايين الصفحات التي تدين الجميع بلا استثناء، بمن فيهم دائرة ترامب الضيقة – في ممارسة داروينيّة لا تزيد المشهد إلا سورياليّة. هم يراهنون على “إنهاك الجمهور” وإصابته بالتخمة المعلوماتية، وصولاً إلى ترسيخ قناعة عدمية: “إذا كان الجميع مذنباً، فلا أحد مذنب”. لقد كادوا ينجحون في تسويق فكرة شيطانية مفادها أن “المستنقع” ليس حزباً سياسياً محدداً، ولا انحرافاً طارئاً، بل هو الطبيعة البشرية ذاتها.

علينا ألا ننظر إلى هذه الملفات كخارطة للجرائم فحسب، بل كمرآة سوداء تعكس العفن الذي ينخر عظام الحكم العالمي. يثبت ملف إبستين 2026 حقيقة مرعبة: الإفلات من العقاب ليس غياباً للقانون؛ بل هو “عسكرة للقانون” ضد الناس العاديين لصالح القلة المستثناة. لقد شهدنا مراسم دفن “الخجل” كقوة رادعة في المجتمع البشري. حين يستطيع “السيّد” امتصاص السمّية الإشعاعية لأرشيف بهذه القذارة المهولة وتحويلها إلى وقود لسلطته. بهذا نكون قد غادرنا عالم السياسة، ودخلنا مرحلة “لاهوت الدّنس”. لم تعد “الجزيرة” مسرح جريمة يُطوّق بالشريط الأصفر؛ بل غدت في الوعي الجمعي نادياً ريفياً للحزبين الذين يتقاسمان آلهة الأولمبوس الأمريكيّ، ومقرًّا لممارسة الحق الإلهي في الاستثناء عن باقي البشر. أثبت أرشيف إبستين أن القانون مجرد أداة قمعية للضعفاء، وأن الأمر يعتمد كلياً على مدى قربك من “القوة الحيوية” لرأس المال. الجريمة الكبرى هنا ليست فقط الإساءة للأطفال – على فظاعتها – بل هي بناء واستدامة الآلية المؤسسية التي جعلت من أجسادهم قرابين على مذبح “السيادة المتوحشة”.

محمد كركي

باحث وخبير في الفلسفة والاتصال السياسي - لبنان

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى