العدد الخامس عشر

الأبعاد الحقوقية في زمن الحرب

 العائلة في مرمى النار

في الحروب الحديثة يظهر مشهد يتكرر بمرارة: بيت صغير يتحول إلى مركز للمأساة. داخل هذا البيت تعيش عائلة كاملة، حياة يومية هادئة، أطفال ودفاتر مدرسة وأكواب شاي في المساء. ثم تصل الصواريخ، فيتحول المكان الذي صُمّم للحياة إلى نقطة في سجل الضحايا. لبنان يعيش هذا المشهد بكثافة مؤلمة، حيث تتحول العائلات إلى محور القصة الإنسانية في زمن النار.

القانون الدولي الإنساني نشأ من أجل هذه اللحظات تحديداً. بعد الحروب الكبرى في القرن العشرين تشكلت منظومة قانونية عالمية هدفها حماية المدنيين في أثناء النزاعات المسلحة. اتفاقيات جنيف وضعت قاعدة واضحة: المدنيون يتمتعون بحماية خاصة، والعائلات تقع في قلب هذه الحماية. النساء والأطفال والمرضى والعاملون في المجال الإنساني يشكلون دائرة يجب أن تبقى خارج منطق الاستهداف العسكري.

ضمن هذه المنظومة القانونية يظهر مبدأ التمييز كركيزة أساسية. العمليات العسكرية يجب أن تتوجه نحو أهداف عسكرية محددة، مع احتياطات واسعة لحماية السكان المدنيين. مبدأ آخر يرافقه هو التناسب، حيث تُقاس العمليات العسكرية بميزان يوازن بين الهدف العسكري المحتمل وحجم الخسائر المدنية التي قد تنجم عنه.

حين تصيب الضربة العسكرية منزلاً تعيش فيه عائلة، يدخل الحدث فوراً في إطار الأسئلة القانونية الكبرى. القانون الدولي الإنساني يتعامل مع استهداف المدنيين بوصفه انتهاكاً خطيراً، ويضعه ضمن قائمة الجرائم التي تستدعي التحقيق والمحاسبة.

التاريخ المعاصر يقدم مشاهد مشابهة. في البوسنة خلال تسعينيات القرن الماضي تحولت قرى ومدن إلى ساحات قتل للمدنيين في سياق ما عُرف بالتطهير العرقي. عائلات كاملة فقدت حياتها في مجازر هزّت الضمير العالمي. لاحقاً وقفت شخصيات عسكرية وسياسية أمام محاكم دولية، حيث اعتُبرت عمليات قتل المدنيين جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

وفي مناطق من إفريقيا ظهرت مآسٍ قريبة في بنيتها الإنسانية. النزاعات الأهلية والطائفية أدت إلى هجمات طالت مجتمعات مدنية بأكملها، فبرزت العائلات مرة أخرى بوصفها الضحية الأكثر هشاشة. في تلك الحالات تحرك القضاء الدولي أيضاً، وأصدرت المحاكم الدولية أحكاماً بحق قادة ميليشيات؛ بسبب جرائم قتل وتعذيب واستهداف جماعات مدنية.

هذه السوابق تمنح ما يحدث في جنوب لبنان وبقاعه كما الضاحية الجنوبية بعداً يتجاوز الجغرافيا المحلية. كل منزل مدمَّر يحمل إمكانية أن يصبح وثيقة في سجل العدالة الدولية. كل اسم من أسماء الضحايا يتحول إلى شهادة على سؤال إنساني وقانوني كبير: كيف يمكن للحرب أن تستمر داخل حدود القانون؟

القانون الدولي الإنساني يقوم على فكرة بسيطة في جوهرها: الحرب تحمل قواعد. هذه القواعد تشكل محاولة لحماية الحياة اليومية من الانهيار الكامل. العائلة في هذا السياق تمثل قلب المجتمع، وحمايتها تعني حماية الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية في زمن العنف.

 لبنان يقف اليوم أمام اختبار قاسٍ بين منطق القوة ومنطق القانون. البيوت التي تحولت إلى ركام تذكر العالم بأن النزاعات المسلحة تترك آثاراً تتجاوز ساحة المعركة. كل حجر يسقط من جدار منزل يحمل قصة حياة كاملة.

في نهاية المشهد تبقى العائلة الرمز الأكثر إنسانية في زمن الحرب. عندما تصيب القذيفة بيتاً صغيراً في قرية جنوبية، يتجاوز الانفجار حدود المكان. الانفجار يصل إلى قلب الفكرة التي قامت عليها القوانين الدولية كلها: صون الحياة الإنسانية حتى في أشد لحظات التاريخ قسوة.

محمد أبو جهجه

كاتب لبناني

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى