العدد الحادي عشر

الإمبريالية الثقافية والتحولات الإبستمولوجية

منذ أن انبلج فجر الثورة الصناعية، تبلور مفهوم “الإمبريالية الثقافية” ليتجاوز كونه مجرد مصطلح، ويصبح أداة إبستمولوجية (معرفية) فذّة، تُشرّح بدقة متناهية آليات صياغة الوعي الجمعي للمجتمعات التي ابتلعتها جاذبية “المركز”.

في خضم هذا التسارع التطوري للرأسمالية في العالم الأول، أصبح التحليل السوسيو-اقتصادي (الاجتماعي-الاقتصادي) يتطلب صرامة علمية لا هوادة فيها. كان لا بد من صياغة أطر منهجية حاسمة لفهم ديناميكيات النظام، خصوصًا في لحظته التاريخية الفارقة: أي أفول الرأسمالية التنافسية لحساب الهيمنة المطلقة للرأسمالية الاحتكارية.

هذا الاحتكار، بدوره، لم يكن كتلة صماء، بل خضع لتحولات بنيوية (Metamorphosis) عميقة. بدأ مساره في احتكار “المادي الملموس” (الموارد والمواد الخام)، وتحوّل إلى “سلاح الطاقة” والنفط، ليصل اليوم إلى صورته الأكثر تعقيدًا وضبابية في آن واحد.

نحن الآن نشهد طورًا جديدًا: الاحتكار الافتراضي في عصر الرأسمالية الرقمية. هنا يُمارس الاحتكار على أرضية غير مرئية، في عالم “حروب الخوارزميات”.هذه الخوارزميات ليست مجرد أدوات، بل هي التجسيد المعاصر والأكثر فتكًا لرأس المال، حيث أدمجت السيطرة المادية بالسيطرة المعرفية، لتعيد رسم تضاريس الصراع العالمي بصورة تتجاوز الأطر التحليلية الكلاسيكية التي أرساها لينين في القرن الماضي، على الرغم من أهميتها التأسيسية.

وهنا تكمن الأهمية النقدية الحاسمة التي نؤكد عليها كنقّاد للمنظومة: إن الماركسية ليست “كتابًا مقدسًا” يطرح دينًا جديدًا. فتقديس المنهج هو تجميد للعلم ذاته.

إنها، في جوهرها، مسار معرفي ومنهجي حي، يخضع في كل تفاصيله لقواعد العلم الصارمة. هي أداة تحليل تنطلق من أسس تجريبية ومبدأ استقرائي رصين، وتستخدم قواعد التحليل الاجتماعي والاقتصادي وحتى الرياضي، لتحديد العلل (الأسباب) واستشراف المآلات (النتائج). إنها منهجية ترفض بطبيعتها “القولبة” و”التقديس”، لأنها علم، والعلم لا يعرف الثبات، بل التطور الجدلي المستمر.

الأطروحة الجوهرية التي نسعى لبرهنتها هنا تنطلق من تفكيك الاختزالية المادية (Material Reductionism) في فهم الإمبريالية. فالإمبريالية الثقافية ليست مجرد “تابع” عرضي للهيمنة الاقتصادية، بل هي بنية مستقلة وفاعلة في حد ذاتها.

في مرحلة ما بعد الاستعمار، تحوّل الصراع من السيطرة على الجغرافيا إلى السيطرة على الإبستمولوجيا (Epistemology)؛ أي من احتلال الأرض إلى هندسة شروط إنتاج المعرفة والحقيقة لدى الشعوب التي نالت استقلالها الشكلي.

وهنا تكمن المفارقة المأساوية: المجتمعات التي لا تزال تدفع أثمانًا باهظة للتبعية المادية تظل غالبًا عمياء عن هذا الاستعمار المعرفي الخفي. إنها ترزح تحت وطأة “بنية تحتية إبستمولوجية” لا مرئية، صاغها المستعمر، وهي التي تحدد لها ما هو “ممكن التفكير فيه”، وما هو “الحقيقي”، وما هو “التقدم”.

لذلك، فإن البحث الجاد في تجليات الإمبريالية في “العالم الثالث” يتطلب قفزة منهجية (Methodological Leap):  من تعريفها كـ “حركة عسكرية-اقتصادية” (كحدث تاريخي)، إلى تعريفها كمشروع إبستمولوجي كلياني (A Total Epistemological Project).

إنه مشروع شامل، يتغلغل من “الأنطولوجيا اليومية” (أي من أبسط ممارسات الحياة وتفاصيلها)، وصولًا إلى “هندسة المصير” (أي رسم التحولات الكبرى وتوجيه المسار التاريخي) للشعوب المستضعفة.

العلاقة بين الحقل الإبستمولوجي (نظرية المعرفة) والإمبريالية هي علاقة هيمنة تأسيسية. الإبستمولوجيا، بصفتها البحث في “ما يمكننا أن نعرفه” و”كيف نعرفه”، ليست حقلاً محايدًا. لقد استخدمت الإمبريالية “ثقافة المستعمِر” كأداة لفرض إبستمولوجيا خاصة بها، ليس كرأي، ولكن كـ “حقيقة كونية”.

في تفكيك الإبستمولوجيا ما بعد الاستعمارية

لقد ركّز ميشيل فوكو في أبحاثه على أن المعرفة بذاتها ليست محايدة، وإنما في عالم تحكمه سلطة الواقع ورأس المال، تُصاغ المعرفة في كثيرٍ من الحقول المعرفية بشكل ممنهج مرتبط بمصالح القوة المادية، التي صاغت ولا تزال تصوغ الواقع، وتحدد ما هو حقيقي وما هو زائف. لا يمكن فصل المعرفة عن السلطة؛ بل هي علاقة مترابطة تعيد تعريف الواقع وحدود حقيقته بما يخدم رأس المال.

الأدلة التاريخية على هذه القاعدة كثيرة ومتعددة. فإذا بدأنا مثلًا من حقبة الاستعمار، نجد ما كان شائعًا في ذاك الزمن حول علم قياس الجماجم (Craniometry) في القرن التاسع عشر.

في ذروة التوسع الإمبريالي الأوروبي، (القرن التاسع عشر)، كانت القوى الاستعمارية – بريطانيا، فرنسا، بلجيكا، وغيرها – تواجه معضلة أخلاقية وإدارية:

  • المعضلة: كيف نبرّر لأنفسنا وللعالم حقَّنا في حكم شعوبٍ أخرى، ونهب مواردها، وفرضَ تغييرٍ في ثقافاتها بالقوّة؟
  • الحاجة الاقتصادية والسياسية: نحن بحاجة إلى “حقيقة”(Truth) تثبت أننا “متفوقون” بطبيعتنا، وأنهم “أدنى” بطبيعتهم. هذا سيجعل الاستعمار ليس “سرقة”، بل “مهمة حضارية” (Civilizing Mission).

هنا يدخل مفهوم تغيير الحقيقة عبر القوة الإبستمولوجية للمستعمر. لم يُستخدم الدين أو الفلسفة لبسط الحقيقة الجديدة، بل استُخدم العلم باعتباره الحقيقة المطلقة بعد عصر التنوير.

  • المجال العلمي: الأنثروبولوجيا الفيزيائية (Physical Anthropology)، وتحديدًا علم قياس الجماجم (Craniometry).
  • العلماء” المشاركون في هذه الجريمة: صموئيل مورتون (Samuel Morton)  في أمريكا، وبول بروكا (Paul Broca) في فرنسا.

بدأ هؤلاء العلماء بجمع مئات الجماجم حول العالم، من أفريقيا إلى أوروبا وآسيا، ثم بدأوا في قياس “سعة الجمجمة” (Cranial Capacity) عن طريق ملئها بالرصاص أو بذور الخردل ثم وزنها.

  • الفرضية المسبقة (الهدف السياسي):
    • العرقُ الأبيضُ (القوقازي) يتمتّع بأكبر سعةٍ للجمجمة.
    • حجم الجمجمة = حجم الدماغ.
    • حجم الدماغ = مستوى الذكاء.

طبعًا، من الناحية العلمية، قبل أي تفصيل آخر، يعد هذا البحث هراءً محضًا، وما لم نصفه كجريمة علمية، فإن هذه النتائج استخدمتها الإمبريالية لإنتاج “حقيقة إبستمولوجية” جديدة توضح مفهوم الاقتصاد السياسي للحقيقة.

استخدمها السياسيون لتبرير “قانونية” الاستعمار، فكان القول: “نحن لا نستعمركم، بل نساعدكم لأنكم غير قادرين عقليًا على التطور”.

  • في الثقافة: أصبحت هذه الفكرة بديهية، حتى إن المستعمَر نفسه بدأ يصدق أنه “أدنى” علميًا.

هذا هو الاقتصاد السياسي للحقيقة في أوضح صوره: السلطة الإمبريالية لم تبحث عن “حقيقة” محايدة، بل موّلت وأنتجت الحقيقة التي تحتاجها (مثل علم قياس الجماجم) لتبرير وجودها واستمرارها.

الاستشراق، دراسة الآخر لجعله فأر تجارب

ما هو الاستشراق؟

إنه ليس “دراسةً” للشرق، بل خطاب (Discourse) بالمعنى الفوكوي؛ نظامٌ من التمثيلات والصور النمطية التي “أنتجت” الشرق كمفهوم.

فالاستشراق، في جوهره، ليس مجرّد حالة بحثٍ في حضاراتٍ وثقافاتٍ أخرى للتعرّف إليها، بل هو صياغة لطبيعة النظرة نفسها، تلك النظرة التي تتشكّل من ذاتٍ وموضوع.

وهذه العلاقة ليست بريئة على الإطلاق، بل هي حاجة ضرورية لبسط الاستعمار المعرفي، ويجب على القارئ أن يدرك العلاقة الفلسفية الدقيقة بين المفهومين.

اختلفت المدارس الفلسفية في تفسير العلاقة بين الذات والموضوع. فمثلًا، يرى هيغل أنّ الوعي، أي الذات، هو الأساس، أمّا الأشياء (الموضوعات) فلا وجود لها في الخارج بشكل مستقل، بل توجد فقط لأن “الذات” تُدركها أو تُفكّر فيها.

المثال الكلاسيكي: الشجرة موجودة فقط لأن عقلًا ما (ذات) يراها أو يفكر بها؛ “فالوجود هو أن تُدرَك”.

وتتجلّى النظرة ذاتها، وإنْ بصياغة مختلفة، في المدرسة النقدية عند كانط، الذي يرى أنّ الذات تشكّل الموضوع. فالعقل الواعي ليس صفحةً بيضاء، بل هو مرتبط بالأبعاد التي نتحرك ضمنها داخل الوجود، مثل الزمان، والمكان، والسببية.

وحين يدخل “الموضوع” إلى وعينا، تقوم “الذات” بتشكيله داخل هذه القوالب لتفهمه.

والعلاقة هنا دقيقة بالاستشراق، فهي ليست محايدة كما كانت تُفهم سابقًا، والموضوع ليس شيئًا طبيعيًا أو ماديًا فحسب، بل ذاتٌ واعية قررت ذاتٌ سلطوية تحويلها إلى موضوعٍ جامدٍ للدراسة يخدم مصالحها.

إنها علاقة الذات القوية (Subject of Power) بـ الموضوع المُعرَّف (Object of Study).

فالذات – مثل العالم الأوروبي، أو المستعمِر، أو الطبيب النفسي – لا “تكتشف” الموضوع (المستعمَر، الشرقي، المجنون)، بل تخلقه وتُعرّفه كـ “موضوع” من خلال سلطتها المعرفية.

وفي هذه المصيدة الإبستمولوجية وقع كثيرٌ من “فئران التحرّر”، وأعني بهم أولئك المثقفين (مثقفو هندسة الهزيمة) المنتمين عرقيًا إلى بلدان الشرق، الذين توهّموا أنهم تحرّروا من مواضيع التخلّف التي تنهش مجتمعاتهم بسبب قصورهم الفكري.

لكن المفارقة الكوميدية أن هؤلاء ليسوا سوى أدواتٍ موضوعية تستخدمها الذات السلطوية لإعادة تشكيل وعي الهيمنة من جهة، وتنفيذ خطط المستعمِر من جهة أخرى.

وهكذا، تصبح عملية تمييز “الفأر” من “الحرّ” في هذا الصراع المعرفي عمليةً شاقة، لكنها تنطلق من الصياغة الفلسفية التي تؤسّس لمفهوم الاقتصاد السياسي للحقيقة، والذي عرفناه سابقًا بوصفه تأسيس الحقيقة الكونية المطلقة.

العنف الإبستمولوجي: عملية خنقٍ ثلاثية الأبعاد

قد يبدو مصطلح العنف الإبستمولوجي غريبًا بعض الشيء، وهو المفهوم الذي صاغته الفيلسوفة الهندية غاياتري سبيفاك، إحدى أبرز منظّري ما بعد الاستعمار.

عرّفته سبيفاك بأنه عملية جعل الآخر صامتًا، لا عبر منعه من الكلام، بل عبر تفكيك البنية التي تمنح كلامه معنى.

وتعمل هذه العملية عبر ثلاثة أبعاد رئيسة، أولها:

١- اللغة: احتكار “أداة العقلنة”  (The Tool of Rationality)

فاللغة ليست أداة تواصل فحسب، بل وسيلة لصياغة الحقيقة من منظور السلطة – وسلطة المستعمِر تحديدًا.

فكما أشار عالم اللسانيات نعوم تشومسكي، تحمل كل لغة في طيّاتها أنطولوجيا (نظرةً للوجود) و(إبستمولوجيا) نظريةً للمعرفة.

  • آلية العنف: حين يفرض المستعمِر لغته (الإنجليزية أو الفرنسية مثلًا) كلغةٍ للعلم والقانون والفكر الجاد، فإنه لا يفرض مجرد مفردات، بل يفرض المنطق (Logos) الكامن خلفها.
  • النتيجة – الاغتراب: كما يوضح المفكر الكيني نغوجي واثيونغو(Ngũgĩ wa Thiong’o) في كتابه تصفية استعمار العقل( Decolonising the Mind)،  يُجبر الطفل المستعمَر على رؤية العالم من خلال عدسة لغوية غريبة.

فتُصنّف لغته الأم، التي تحمل ثقافته وتاريخه، على أنها “عامية” أو “عاطفية” (أي غير عقلانية)، بينما تُقدَّم لغة المستعمِر بوصفها لغة “التحليل” و”الحقيقة الموضوعية”.

وهكذا يُخلق انفصام ثقافي (Cultural Schizophrenia)  يجعل المثقف المستعمَر غريبًا في وطنه.

٢-التعليم: “هندسة الذاكرة” (The Engineering of Memory)

إنّ عملية استعمار عقل المثقف المستعمَر لا تظهر فقط عبر اللغة، بل تمتد أيضًا إلى نُظُم التعليم ومناهجها التي يفرضها المستعمِر، من خلال اختزال التاريخ بمنظورٍ كونيٍّ ومركزيٍّ يُقصي تاريخ الشعوب المستعمَرة.

تُسهم هذه المناهج في هندسة العقل الجمعي في بلدان العالم الثالث، عبر بثّ ثقافة “الكونية” المجرّدة من جذورها التاريخية والتراثية، على أرضٍ لم تُكتَب روايتها بعد.

وهذه العملية تتشكّل، ببساطة، من جزأين أساسيّين:

أولًا: المحو: حذف التاريخ المحلي أو تقديمه كـ “عصرٍ مظلم” غارقٍ في الجهل والحروب القبلية.

ثانيًا: الاستبدال: تقديم تاريخ المستعمِر – كالثورة الفرنسية أو تاريخ الإمبراطورية البريطانية – على أنّه “التاريخ الكوني” (Universal History).

وهكذا، تخرج أجيال تعرف تاريخ ملوك أوروبا وتفاصيل حياتهم اليومية – وربما أي مرحاضٍ استخدموه في عصرٍ من العصور – بينما تجهل تاريخ أرض أجدادها.

وكما حلّل فرانتز فانون (Frantz Fanon)، فإنّ هذا المثقف المستعمَر يستبطن (Internalizes) نظرة المستعمِر الدونية، ويصبح هو نفسه الرقيبَ على ثقافة مجتمعه، معتبرًا إياها “تخلّفًا” يجب تجاوزه لـ “اللحاق” بالغرب.

نزع الشرعية: من التفكيك إلى الممارسة

في هذه المرحلة يتحوّل العنف النظري إلى عنفٍ ماديٍّ ملموس؛ فالسلطة لا تكتفي بالحكم السياسي، بل تتداخل في الحيّز اليومي لحياة الفرد، لا بصفتها مراقبًا خارجيًّا فحسب، بل كفاعلٍ في اللاوعي الجمعي للمجتمع.

إنها توجّه الاحتياجات والرغبات والأفكار بما يتناسب مع مصالح رأس المال. ويختلف شكل هذا العنف في مجتمع المركز (المتروبول)عنه في مستعمرات الأطراف.

تؤثّر هذه الآلية تأثيرًا عميقًا في حياة الشعوب الواقعة تحت الاستعمار؛ إذ تُستخدم عملية نزع الشرعية عن كل الممارسات والأنظمة المعرفية المحلية كسلاحٍ ثقافيٍّ استراتيجيٍّ لتقويض البنى المحلية.

فمن الناحية القانونية، تُعدّ الأعراف والقوانين القبلية أو الشرعية “همجية”، وتُستبدل بـ القانون الوضعي (النابليوني أو الأنجلوسكسوني).

وهذا التفكيك للبنى الاجتماعية يجعلها هشّةً، ويفتح الباب أمام صراعاتٍ ونزاعاتٍ سياسية داخلية بين طبقةٍ مثقفةٍ برجوازيةٍ مستعمَرة، وطبقةٍ مستضعفةٍ مستعمَرةٍ أيضًا.

ويظهر هذا النمط في مختلف الحقول، من الطبّ إلى الزراعة.

إنّ تاريخ الفئات الاجتماعية التابعة هو، بالضرورة، مجزّأ ومتقطّع. فهذه الفئات لا تملك زمام المبادرة؛ إنها تخضع لمبادرات الطبقة السائدة. وحتى حين تتمرّد أو تنتفض، فإنها تفعل ذلك فقط حين تكون الطبقة السائدة في أزمة، ولا يمكنها ممارسة… قيادتها.

إنها [الفئات التابعة] تعيش في حالة دفاعية، وهذه الحالة لا تُنتج تاريخًا مستقلًا. […] لذلك، يجب أن تكون وحدة تاريخ الدولة بأكمله هي التي تشكل الأساس: وضمن هذه الوحدة الشاملة، يمكن فهم تاريخ الفئات التابعة. إن تاريخها هو بالضرورة جزء لا يتجزأ من تاريخ الدولة والمجتمع المدني”.)

 أنطونيو غرامشي  (Antonio Gramsci)

لقد أمسك غرامشي بجوهر المعضلة حين أوضح أنّ الفئات التابعة (Subaltern) تفتقر إلى المبادرة التاريخية؛ فهي، بفعل قوى الهيمنة الرأسمالية والسلطوية، قد أُخرِجت من دائرة “الفعل” (Action) وحُبست في دائرة “ردّ الفعل” (Reaction) على مبادرات السادة.

هنا تتجلّى المهمة الوجودية والتاريخية لـ “المثقف العضوي”.

فهو ليس مفكرًا منعزلًا، بل هو العقل الذي يندمج عضويًّا مع جسد الفئات التابعة.

مهمته هي عملية إجراء قلبٍ أنطولوجيٍّ (Ontological Inversion) دقيقة وحاسمة. أن ينتشل “التابع” من كونه موضوعًا منفعلًا (Passive Object)  في تاريخٍ يكتبه الآخرون – المستعمِرون والرأسماليون – ليحوّله إلى ذاتٍ فاعلة (Active Subject) تصنع تاريخها بوعيٍ وإرادة.

وهذه العملية ليست مجرد “تثقيف”، بل هي التزامٌ تاريخيٌّ (Historical Commitment)  يتطلّب من المثقف مسؤوليةً قصوى في تبنّي الرؤية الصحيحة:

ليس لنقل “صورة الواقع”، بل لـ صياغة وعيٍ نقديٍّ قادرٍ على تغييره.

وهنا يكمن المحك الإبستمولوجي (المعرفي) والأخلاقي للمثقف:

فالمطلوب منه ليس أن “يدرس” شعبه كما لو كان “موضوعًا” غريبًا، يرصده بعدسة السلطة الباردة أو عبر الاستشراق الأكاديمي المتعالي الذي لا يرى في الأطراف إلا مستعمراتٍ للتخلّف أو الفولكلور.

بل المطلوب منه أن يكون جزءًا لا يتجزأ من هذه الأطراف؛ أن يعيش وعيها، ويدرك الواقع من خلال إحداثيات أهلها، وأن يستنطق تاريخ وجودها الحقيقي – المسكوت عنه – متحرّرًا تمامًا من أيّ تحيّزٍ أورو مركزيّ (Eurocentric Bias)  يُعيد إنتاج الهيمنة باسم “التحرّر”.

جاد فياض

جاد فياض - طالب هندسة ألمانيا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى