العدد السابع

الليبرالية: سردية الحرية في زمن التماثل


عبر قرون من التاريخ الأوروبي، استقرّ مصطلح “الليبرالية” في مراكز العقل الغربي بوصفه وعدًا مؤجَّلًا بالتحرر. ومنذ نشأته في سياق الثورة ضد الإقطاع والتسلّط الديني، بدا كأنه يحمل إمكانيات لا متناهية لإعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والسلطة، بين الفرد والمجتمع، بين الحرية والانضباط.

إلّا أن هذا المصطلح، حين يُقارب من خارج سياقاته التأسيسية، لا يعود مجرّد تصوّر سياسي أو فلسفي، بل يتحوّل إلى كيان رمزي: شبكة من التمثيلات والانفعالات والقواعد التي تحكم الوعي الجماعي. 

في عالمٍ باتت فيه المفاهيم تُسوَّق كما تُسوّق السلع، تصبح الليبرالية – كما لاحظ بودريار – صورةً عن صورة، أنموذجًا للتمثيل يُعيد إنتاج ذاته عبر وسائل الإعلام والتعليم، لا عبر الواقع.

من النشأة السياسية إلى التمظهر الرمزي

نشأت الليبرالية الحديثة في القرن السابع عشر على يد مفكرين مثل جون لوك، الذين وضعوا أسسًا فلسفية لفكرة “الحقوق الطبيعية” للفرد، وفي مقدمتها: الملكية، والحرية، والحياة. في ذلك الوقت، كانت الليبرالية تصطدم بنظام ملكي مطلق، وتطالب بحدود للسلطة. 

ولكن، كما يلاحظ مؤرخو الفكر السياسي، فإن نَسَب الليبرالية الاقتصادي لا يقلّ حضورًا عن نَسَبها الحقوقي: لقد وُلدت أيضًا من رحم البرجوازية الصاعدة، وارتبطت عضويًّا بفكرة السوق المفتوح، والتبادل الحر، وحرمة الملكية الخاصة.

بمرور الزمن، توسّعت الليبرالية إلى ما يمكن تسميته بـ “النظام الرمزي للحداثة”. لم تَعُد نظرية سياسية فحسب، بل تحوّلت إلى أنماط تفكير، وسلوكيات يومية، وآداب استهلاك، وطرائق للقول والإحساس والتفاعل.

المكاسب والتحوّلات

من الإنصاف الإشارة إلى أن الليبرالية كانت محركًا لتطورات دستورية وتشريعية هامة في العالم الغربي: الحريات المدنية، حرية الصحافة، استقلال القضاء، فصل السلطات، التعددية، والمساءلة. وقد ساهمت في تراجع نُظم القمع، وأطلقت موجات تحديث للمؤسسات، ودفعت بقوة نحو إنهاء العبودية، ومأسسة التعليم، وتحرير الأسواق.

لكن هذه المكاسب لم تكن دائمًا نتاجًا مباشرًا للفكرة الليبرالية في حدّ ذاتها، بل لِما ولّدته من صراع داخل بُنى السلطة. فالليبرالية لا تعمل في الفراغ، بل تتكيّف مع السياقات، وقد أثبتت قدرتها على الاستمرار داخل أنظمة رأسمالية صارمة، كما أظهرت قابليتها للتواطؤ مع الاستعمار في لحظات تاريخية مفصلية.

بين الفردانية والعولمة: التوتر المتجدد

في المرحلة النيوليبرالية (منذ السبعينيات من القرن الماضي)، اتخذت الليبرالية طابعًا جديدًا أكثر انسجامًا مع منطق السوق من انسجامها مع مبدأ المساواة. أصبح الفرد هو الوحدة الأساسية لكل شيء: وحدة استهلاك، وحدة قرار، وحدة معنى. ومن هنا، تحوّلت مفاهيم مثل الحرية والاختيار إلى أدوات دعائية تُستخدم لتبرير سياسات الخصخصة، تقليص الدولة، ورفع الدعم عن الخدمات.

رصد منظّرون مثل فوكو وبودريار هذه التحولات بوصفها انتقالًا من مفهوم “الحرية كتجربة” إلى “الحرية كواجهة”. لم تَعُد الليبرالية تعني “تحررًا”، بل “مشاركة في النسق”. كلما زادت خيارات المستهلك، توهّم الإنسان أنه يملك مصيره، بينما تتكثّف الرقابة وتُعاد هندسة الحقول الرمزية المحيطة به.

النقاش الطبقي: حواف الفكرة وصراعاتها

لطالما كانت الليبرالية موضع تشكيك من قبل التيارات الاشتراكية والماركسية، التي رأت فيها تعبيرًا ناعمًا عن مصالح الطبقة البرجوازية. فالفردانية، حين تُفصل عن العدالة الاقتصادية، تتحوّل إلى رخصة امتياز لا إلى حق شامل. والحرية، حين تُقاس بالقدرة على الشراء، تُقصي من المشهد ملايين لا يملكون إلا أجسادهم.

في هذا السياق، تعود الأسئلة الكلاسيكية لتفرض نفسها:

هل يستطيع العامل الفقير أن يعبّر عن رأيه بالقوة ذاتها التي يعبّر بها مالك وسائل الإعلام؟

هل تكون السوق “حرة” حقًا إذا كانت القوة التفاوضية موزّعة بشكل غير متكافئ بين من يملكون الثروة ومن لا يملكون حتى وقتهم؟

هنا، تظهر الليبرالية في وجهها الرمزي كأداة تماهٍ تُخفي الفوارق تحت عباءة الشفافية.

البعد الثقافي: الهويات داخل ماكينة التنوع

في المجتمعات الليبرالية، اكتسب خطاب الهويات (الجنسانية، العرق، الدين، النوع الاجتماعي) حضورًا متزايدًا، خاصة مع تصاعد ثقافة ما بعد الحداثة. غير أن هذا الخطاب، في كثير من الأحيان، لم يَخرج من منطق السوق، بل أُعيد تدويره داخله. أصبحت الهويات أنماط استهلاك، وصار الاعتراف بها مشروطًا بقدرتها على التمثيل، والتصنيف، والتداول.

الليبرالية الثقافية، بحسب بودريار، لا تُحرّر الاختلاف، بل تُفرّغه من مضمونه السياسي. تُحوّل كل خطاب احتجاجي إلى موضوع نقاش تلفزيوني، تُحوّل الغضب إلى “رأي”، والاختلاف إلى “ديكور”.

نحو تقييم معقّد

الليبرالية ليست كيانًا متجانسًا، بل بنية متشابكة من التقاليد الفكرية، والأنظمة القانونية، والخطابات الاجتماعية. ولم تكن يومًا مشروعًا نهائيًا للحرية، بقدر ما كانت نظامًا مفتوحًا للتأويل، تتصارع داخله قوى التحرر مع قوى السيطرة، وتتعاقب فيه اللحظات الثوروية مع لحظات إعادة الضبط.

في عالم ما بعد الحقيقة، حيث تمضي الصور أسرع من المفاهيم، وتُصاغ القرارات داخل غرف الميديا قبل أن تصل إلى البرلمانات، تظل الليبرالية موضوعًا مُلغزًا، ومفتوحًا على احتمالاتٍ متناقضة. لا يمكن شطبها كليًا، ولا يمكن تبنّيها بوصفها دربًا خلاصيًا.

قد تكون الليبرالية، في النهاية، فضاءً للتفاوض على المعنى… لا وعدًا بالخلاص منه.

محمد أبو جهجه

كاتب لبناني

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى