العدد الثاني

اشكال العنف ومستوياته«المشروعة» وغير «المشروعة»

العنف‭ ‬السياسي‭ ‬هو‭ ‬سلوك‭ ‬أو‭ ‬فعل‭ ‬يتسم‭ ‬بالإيذاء‭ ‬ويتدرج‭ ‬وفق‭ ‬سلّم‭ ‬طويل‭ ‬من‭ ‬الدرجات‭ ‬يبدأ‭ ‬بالتهديد‭ ‬ويمر‭ ‬بالتضليل‭ ‬والتجريح‭ ‬والإنكار‭ ‬والتكذيب‭ ‬والمنع‭ ‬الحصار‭ ‬وينتهي‭ ‬إلى‭ ‬الاستبداد‭ ‬أو‭ ‬الاستعمار‭ ‬أو‭ ‬استمرار‭ ‬القتل،‭ ‬ويصدر‭ ‬عن‭ ‬طرف‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬فردا‭ ‬أو‭ ‬جماعة‭ ‬أو‭ ‬طبقة‭ ‬اجتماعية‭ ‬أو‭ ‬دولة،‭ ‬ويرى‭ ‬تروتسكي‭ ‬أحد‭ ‬زعماء‭ ‬الحركة‭ ‬الشيوعية‭ ‬الروسية‭ ‬‮«‬أن‭ ‬كل‭ ‬دولة‭ ‬هي‭ ‬جهاز‭ ‬مؤسس‭ ‬على‭ ‬العنف‮»‬‭(‬1‭)‬،‭ ‬باعتبارها‭ ‬التجمع‭ ‬السياسي‭ ‬الذي‭ ‬يحتكر‭ ‬العنف‭ ‬المادي‭ ‬الذي‭ ‬تُعطى‭ ‬له‭ ‬الشرعية‭ ‬القانونية،‭ ‬المتمثلة‭ ‬أساسا‭ ‬في‭ ‬المحافظة‭ ‬على‭ ‬النظام‭ ‬الداخلي‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬والدفاع‭ ‬عن‭ ‬المجتمع‭ ‬ضد‭ ‬الأخطار‭ ‬الخارجية‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭. ‬ويوافقه‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬المفكر‭ ‬الألماني‭ ‬ماكس‭ ‬فيبر‭ ‬معتبرا‭ ‬الدولة‭ ‬تجمعًا‭ ‬سياسيًا‭ ‬غير‭ ‬قابل‭ ‬للتعريف‭ ‬إلا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬العنف،‭ ‬ويعتبر‭ ‬العنف‭ ‬المادي‭ ‬الوسيلة‭ ‬الوحيدة‭ ‬التي‭ ‬تسمح‭ ‬للدولة‭ ‬بممارسة‭ ‬سيادتها،‭ ‬مؤكدا‭ ‬أن‭ ‬الدولة‭ ‬تملك‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬استعمال‭ ‬العنف،‭ ‬بل‭ ‬وتحتكره‭ . ‬فهو‭ ‬إذن‭ ‬عنف‭ ‬مشروع‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يمارسه‭ ‬أي‭ ‬فرد‭ ‬دون‭ ‬موافقة‭ ‬الدولة‭(‬2‭)‬‭.‬

يعكس‭ ‬ما‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬مقدمة‭ ‬ابن‭ ‬خلدون‭ ‬بأن‭ (‬من‭ ‬امتدت‭ ‬عينه‭ ‬إلى‭ ‬متاع‭ ‬أخيه‭ ‬امتدت‭ ‬يده‭ ‬إلى‭ ‬أخذه‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬يصده‭ ‬وازع‭)‬‭(‬3‭)‬‭ ‬الهدف‭ ‬الذي‭ ‬يرمي‭ ‬الطرف‭ ‬الذي‭ ‬قرر‭ ‬استخدام‭ ‬العنف‭ ‬إلى‭ ‬تحقيقه‭ ‬ويتمثل‭ ‬في‭ ‬الرغبة‭ ‬في‭ ‬إخضاع‭ ‬الطرف‭ ‬الآخر‭ ‬والسيطرة‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬علاقة‭ ‬قوة‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬متكافئة‭ ‬وقد‭ ‬تكون‭ ‬غير‭ ‬متكافئة،‭ ‬ويكون‭ ‬مرد‭ ‬ذلك‭ ‬التعارض‭ ‬الواقعي‭ ‬أو‭ ‬الافتراضي‭ ‬للمصالح‭ ‬التي‭ ‬تتمثل‭ ‬بــ‮ ‬‭(‬الثروات‭ – ‬السلطة‭ – ‬الهوية‭ – ‬الأوضاع‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والسياسية‭ – ‬المنظومة‭ ‬القيمية‭ ‬الفكرية‭ ‬والأخلاقية‭ ‬والإيديولوجية‭).‬

يعود‭ ‬العنف،‭ ‬إلى‭ ‬ظاهرتين‭ ‬أساسيتين،‭ ‬أو‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬أنه‭ ‬نتيجة‭ ‬لهاتين‭ ‬الظاهرتين‭ ‬اللتين‭ ‬عرفهما‭ ‬الواقع‭ ‬الإنساني‭ ‬منذ‭ ‬نشأته‭: ‬الأولى‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬الصراع‭ ‬الذي‭ ‬تعتبره‭ ‬لورا‭ ‬نادر‭ ‬أستاذة‭ ‬الأنثروبولوجيا‭ ‬بجامعة‭ ‬كاليفورنيا،‭ ‬بأنه‭ ‬نضالٌ‭ ‬حول‭ ‬قيم‭ ‬أو‭ ‬مطالب‭ ‬أو‭ ‬أوضاع‭ ‬محددة،‭ ‬أو‭ ‬حول‭ ‬موارد‭ ‬ويكون‭ ‬الهدف‭ ‬متمثلاً‭ ‬في‭ ‬كسب‭ ‬القيم‭ ‬المرغوبة،‭ ‬أو‭ ‬الممنوعة‭ ‬وفي‭ ‬تحييد‭ ‬أو‭ ‬إلحاق‭ ‬الضرر‭ ‬أو‭ ‬إزالة‭ ‬المنافسين‭ ‬أو‭ ‬التخلص‭ ‬منهم‭(‬4‭)‬،‭ ‬ويشكل‭ ‬الإحباط،‭ ‬الظاهرة‭ ‬الثانية،‭ ‬والمقصود‭ ‬من‭ ‬الإحباط،‭ ‬الحالة‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬الفرد‭ ‬ويعجز‭ ‬خلالها‭ ‬عن‭ ‬تحقيق‭ ‬رغباته‭ ‬النفسية‭ ‬أو‭ ‬الاجتماعية‭ ‬بسبب‭ ‬عائق‭ ‬ما‭ ‬خارجي‭ ‬كالعوامل‭ ‬المادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والاقتصادية،‭ ‬أو‭ ‬داخلي‭ ‬كعيوب‭ ‬نفسية‭ ‬أو‭ ‬بدنية‭ ‬أو‭ ‬قدرات‭… ‬وبالتالي‭ ‬تمس‭ ‬ردود‭ ‬فعل‭ ‬الذات‭ ‬المحبطة‭ ‬من‭ ‬المحيط‭ ‬بسلوكيات‭ ‬تميل‭ ‬في‭ ‬الغالب‭ ‬إلى‭ ‬العنف،‭ ‬وأخرى‭ ‬تتجه‭ ‬إلى‭ ‬الذات‭ ‬كالميل‭ ‬إلى‭ ‬الانطواء،‭ ‬أو‭ ‬سلوكيات‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬مراحل‭ ‬سابقة‭ ‬من‭ ‬العمر،‭ ‬أو‭ ‬إلحاق‭ ‬الأذى‭ ‬بالذات‭ ‬بكيفيات‭ ‬متفاوتة‭ ‬بين‭ ‬الأشخاص‭.‬

وبما‭ ‬أن‭ ‬العنف‭ ‬لن‭ ‬يتوقف‭ ‬بين‭ ‬بني‭ ‬البشر‭ ‬ما‭ ‬استمرت‭ ‬طبيعة‭ ‬البنية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والسيكولوجية‭ ‬لهم‭ ‬وحولهم،‭ ‬ولعدم‭ ‬انقضاء‭ ‬الأسباب‭ ‬والدوافع‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالموضوع‭ ‬المتنازع‭ ‬عليه‭ ‬لذلك‭ ‬فإن‭ ‬أشكاله‭ ‬الأبرز‭ ‬غالبا‭ ‬ما‭ ‬تُؤطر‭ ‬وفق‭ ‬محاور‭ ‬ثلاث‭:‬

الأول‭: ‬يعود‭ ‬للمستوى‭ ‬الصادر‭ ‬عنه‭ ‬فردياً‭ ‬كان‭ ‬أم‭ ‬جماعياً،‭ ‬وتكمن‭ ‬خطورة‭ ‬العنف‭ ‬الفردي‭ ‬بأنه‭ ‬يهز‭ ‬استقرار‭ ‬المجتمع‭ ‬وتماسكه‭ ‬الاجتماعي‭ ‬لما‭ ‬يحتويه‭ ‬من‭ ‬قدرة‭ ‬تدميرية،‭ ‬ومثاله‭ ‬ما‭ ‬أقدم‭ ‬عليه‭ ‬ديفيد‭ ‬كوبلاند،‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬لندن‭ ‬وزرعه‭ ‬العبوات‭ ‬المتفجرة‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬أحيائها‭ ‬التي‭ ‬استهدفت‭ ‬حياً‭ ‬يسكنه‭ ‬السود‭. ‬وآخر‭ ‬يقطنه‭ ‬مهاجرون‭ ‬بنغاليون،‭ ‬فيما‭ ‬أوقع‭ ‬عددا‭ ‬من‭ ‬الضحايا‭ ‬بين‭ ‬قتيل‭ ‬وجريح‭(‬5‭)‬‭. ‬وتلجأ‭ ‬المجموعات‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬ثابتة‭ ‬أو‭ ‬مرحلية‭ ‬إلى‭ ‬العنف‭ ‬الجماعي‭ ‬ضد‭ ‬مجموعات‭ ‬أخرى‭ ‬بهدف‭ ‬تحقيق‭ ‬أغراض‭ ‬سياسية‭ ‬أو‭ ‬اجتماعية‭ ‬أو‭ ‬اقتصادية،‭ ‬وهنا‭ ‬يكون‭ ‬العنف‭ ‬وسيلة‭ ‬ضغط‭ ‬لتحقيق‭ ‬الأهداف،‭ ‬ويعطي‭ ‬مؤشرا‭ ‬على‭ ‬غياب‭ ‬الثقة‭ ‬بالسلطة‭ ‬القائمة‭.‬

الثاني‭: ‬يعود‭ ‬لأبعاده‭ ‬المتنوعة‭ ‬النفسية‭ – ‬الاقتصادية‭ – ‬الاجتماعية‭ – ‬السياسية‭ – ‬التاريخية‭ – ‬التشريعية‭ . ‬حيث‭ ‬أطلق‭ ‬الباحث‭ ‬الفرنسي‭ ‬بيير‭ ‬بورديو‭ ‬(Pierre Bourdieu) (1903-2002)‭ ‬على‭ ‬العنف‭ ‬الذي‭ ‬ينجم‭ ‬عنه‭ ‬آثار‭ ‬نفسية‭ ‬العنف‭ ‬الرمزي‭ ‬واعتبره‭ ‬عنفاَ‭ ‬لطيفاَ‭ ‬وعذباَ‭ ‬وغير‭ ‬محسوس‭ ‬ويكون‭ ‬بواسطة‭ ‬اللغة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الطرائق‭ ‬والوسائل‭ ‬الرمزية‭ ‬الخالصة‭ ‬عبر‭ ‬التواصل،‭ ‬وتلقين‭ ‬المعرفة،‭ ‬ويحقق‭ ‬نتائج‭ ‬أحسن‭ ‬قياسا‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يحققه‭ ‬العنف‭ ‬السياسي‭ ‬والبوليسي‭(‬6‭)‬،‭ ‬بمعنى‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التـأثير‭ ‬باستخدام‭ ‬عوامل‭ ‬الجذب‭ ‬والنفور‭ ‬تجاه‭ ‬الأطراف‭ ‬المعنية،‭ ‬ويتمثل‭ ‬العنف‭ ‬الاقتصادي‭ ‬في‭ ‬التدابير‭ ‬والإجراءات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والمالية‭ ‬التي‭ ‬تفرضها‭ ‬دولة‭ ‬أو‭ ‬دول‭ ‬أو‭ ‬منظمات‭ ‬أو‭ ‬هيئات‭ ‬دولية‭ ‬أو‭ ‬إقليمية‭ ‬على‭ ‬دولة‭ ‬أو‭ ‬تنظيم‭ ‬أو‭ ‬شركة‭ ‬أو‭ ‬غيره‭ ‬على‭ ‬خلفية‭ ‬القيام‭ ‬بأعمال‭ ‬عدوانية‭ ‬أو‭ ‬تهديد‭ ‬للسلم‭ ‬الدولي،‭ ‬أو‭ ‬لحمل‭ ‬ذلك‭ ‬الطرف‭ ‬على‭ ‬تقديم‭ ‬تنازلات‭ ‬ذات‭ ‬طبيعة‭ ‬سياسية‭ ‬أو‭ ‬اقتصادية‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬تأثيراتها‭ ‬السلبية‭ ‬على‭ ‬المواطنين‭ ‬العاديين‭ ‬والسكان‭ ‬الأبرياء‭ ‬والأزمات‭ ‬الانسانية‭ ‬العديدة‭ ‬التي‭ ‬أوقعتها،‭ ‬جعلت‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى‭ ‬تتجه‭ ‬أكثر‭ ‬نحو‭ ‬ما‭ ‬أطلق‭ ‬عليه‭ ‬اسم‭ ‬العقوبات‭ ‬الذكية‭ ‬التي‭ ‬تعتبر‭ ‬أكثر‭ ‬منطقية‭ ‬و‭ ‬أخلاقية‭ ‬لاستهدافها‭ ‬المسؤولين‭ ‬عن‭ ‬الأعمال‭ ‬العدائية‭(‬7‭)‬،‭ ‬ويقع‭ ‬العنف‭ ‬الاجتماعي‭ ‬في‭ ‬مستويات‭ ‬متعددة‭ ‬منها‭ ‬الأسري‭ ‬والمدرسي‭ ‬والمجتمعي‭ ‬والعنف‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬الجنس‭ ‬رجل‭ – ‬إمرأة‭ ‬وما‭ ‬يتضمنه‭ ‬من‭ ‬تمييز‭ ‬وعدم‭ ‬مساواة‭ ‬بينهما،‭ ‬والعنف‭ ‬القائم‭ ‬بسبب‭ ‬الانتماء‭ ‬لفئات‭ ‬عرقية‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬أقليات‭ ‬جنسية‭. ‬ويتحول‭ ‬العنف‭ ‬إلى‭ ‬الجانب‭ ‬السياسي‭ ‬أيا‭ ‬كانت‭ ‬أشكاله‭ ‬عند‭ ‬استخدامه‭ ‬بشكل‭ ‬متعمد‭ ‬وتكون‭ ‬دوافعه‭ ‬وأهدافه‭ ‬سياسية،‭ ‬وتلعب‭ ‬الإيديولوجية‭ ‬الفكرية‭ ‬بشقيها‭ ‬الدينية‭ ‬والقومية‭ ‬دورا‭ ‬فيه،‭ ‬وتعتبر‭ ‬الاعتقالات‭ ‬وأحكام‭ ‬الإعدام‭ ‬لأسباب‭ ‬سياسية‭ ‬واستخدام‭ ‬قوى‭ ‬الأمن‭ ‬والجيش‭ ‬أبرز‭ ‬صوره‭. ‬ويتعلق‭ ‬العنف‭ ‬التاريخي‭ ‬بجرائم‭ ‬الإبادة‭ ‬المرتكبة‭ ‬بحق‭ ‬مجموعات‭ ‬من‭ ‬معينة‭ ‬البشر‭ ‬بقصد‭ ‬تدمير‭ ‬وجودهم‭ ‬كليا،‭ ‬فمثلا‭ ‬قتل‭ ‬7‭.‬800‭ ‬من‭ ‬الرجال‭ ‬والشباب‭ ‬البوسنيين‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬القوات‭ ‬الصربية،‭ ‬وفي‭ ‬روندا‭ ‬قتل‭ ‬ما‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬800‭.‬000‭ ‬شخص‭ ‬أغلبهم‭ ‬ينتمون‭ ‬إلى‭ ‬مجموعة‭ ‬التوتسي‭ ‬التي‭ ‬تمثل‭ ‬جماعة‭ ‬أقلية‭.‬

يٌنتج‭ ‬العنف‭ ‬التشريعي‭ ‬التسلط‭ ‬والاستبداد‭ ‬فقد‭ ‬سُنت‭ ‬للأجهزة‭ ‬الأمنية‭ ‬في‭ ‬سورية‭ ‬قوانين‭ ( ‬ضمن‭ ‬حالة‭ ‬الطوارئ‭ ‬التي‭ ‬أعلنت‭ ‬في‭ ‬1963‭ ‬وبقيت‭ ‬مستمرة‭ ‬حتى‭ ‬مطلع‭ ‬2011‭) ‬أعطت‭ ‬أجهزة‭ ‬الأمن‭ ‬امتيازات‭ ‬هدمت‭ ‬مبدأ‭ ‬المساواة‭ ‬أمام‭ ‬القانون‭ ‬ولا‭ ‬تبررها‭ ‬اعتبارات‭ ‬مستمدة‭ ‬من‭ ‬الحريات‭ ‬السياسية،‭ ‬نذكر‭ ‬منها‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬ما‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬المادة‭ (‬16‭) ‬والمادة‭ (‬30‭) ‬من‭ ‬قانون‭ (‬إحداث‭ ‬إدارة‭ ‬أمن‭ ‬الدولة‭) ‬الصادر‭ ‬بالمرسوم‭ ‬التشريعي‭ ‬رقم‭ (‬14‭) ‬تاريخ‭ ‬25‭/‬1‭/ ‬1969‭ ‬والمادة‭ (‬74‭) ‬والمادة‭ (‬101‭) ‬من‭ ‬قانون‭ ‬التنظيمات‭ ‬الداخلية‭ ‬لإدارة‭ ‬أمن‭ ‬الدولة،‭ ‬وقواعد‭ ‬خدمة‭ ‬العاملين‭ ‬فيها،‭ ‬الصادر‭ ‬بالمرسوم‭ ‬التشريعي‭ ‬رقم‭ ‬549‭ ‬تاريخ‭ ‬25‭/‬5‭/‬1969م‭(‬8‭)‬‭.‬

تتعارض‭ ‬هذه‭ ‬المواد‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬جاء‭ ‬به‭ ‬ميثاق‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬عام‭ ‬1945‭ ‬والإعلان‭ ‬العالمي‭ ‬لحقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬عام‭ ‬1948‭ ‬والعهدان‭ ‬الدوليان‭ ‬لحقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬عام‭ ‬1966م‭ ‬اللذان‭ ‬نصا‭ ‬على‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬وعدم‭ ‬الخضوع‭ ‬للتعذيب‭ ‬وعدم‭ ‬توقيف‭ ‬أحد‭ ‬أو‭ ‬اعتقاله‭ ‬تعسفا‭(‬9‭)‬‭. ‬وصدقت‭ ‬عليهما‭ ‬سوريا‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬1968‭.‬

الثالث‭: ‬يعود‭ ‬وفقا‭ ‬لمشروعيته‭ ‬العنف‭ ‬المشروع‭ ‬والعنف‭ ‬غير‭ ‬المشروع‭ ‬من‭ ‬وجهة‭ ‬نظر‭ ‬القانون‭ ‬ويقصد‭ ‬بالأول‭ ‬ذلك‭ ‬العنف‭ ‬الممارس‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬السلطة‭ ‬السياسية‭ ‬ويهدف‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬بحسب‭ ‬عالم‭ ‬الاجتماع‭ ‬الألماني‭ ‬ماكس‭ ‬فيبر‭ ‬إلى‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬النظام‭ ‬الداخلي‭ ‬للدولة‭ ‬والدفاع‭ ‬عن‭ ‬المجتمع‭ ‬ضد‭ ‬الأخطار‭ ‬الخارجية،‭ ‬غير‭ ‬آبه‭ ‬برغبة‭ ‬وسعي‭ ‬أي‭ ‬نظام‭ ‬سياسي‭ ‬للاستمرار‭ ‬بالحكم‭ ‬بشتى‭ ‬السبل،‭ ‬والطرف‭ ‬الآخر‭ ‬المتمثل‭ ‬في‭ ‬الفئة‭ ‬التي‭ ‬ترى‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬النظام‭ ‬لا‭ ‬يعبر‭ ‬عن‭ ‬مصالحها‭ ‬وقيمها‭ ‬وتسعى‭ ‬لتغييره‭ ‬بشكل‭ ‬كلي‭ ‬أو‭ ‬جزئي،‭ ‬وتلجأ‭ ‬إلى‭ ‬المظاهرات‭ ‬والاعتصامات‭ ‬وأعمال‭ ‬الشغب‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الأعمال‭ ‬التي‭ ‬تعبر‭ ‬عن‭ ‬رغبة‭ ‬الجمهور‭ ‬وحاجته،‭ ‬ويتعدى‭ ‬الأمر‭ ‬هذا‭ ‬الحقل‭ ‬السياسي‭ ‬ويبحث‭ ‬علم‭ ‬النفس‭ ‬الجنائي‭ ‬في‭ ‬الأسباب‭ ‬والظروف‭ ‬التي‭ ‬دفعت‭ ‬الجاني‭ ‬لارتكاب‭ ‬جرمه،‭ ‬فتنزل‭ ‬به‭ ‬القصاص‭ ‬على‭ ‬جريمته،‭ ‬وتخفف‭ ‬عنه‭ ‬نظرا‭ ‬للأسباب‭ ‬غير‭ ‬المشروعة‭ ‬أن‭ ‬تحيط‭ ‬به‭ ‬كإنسان‭ ‬لارتكاب‭ ‬فعلته‭.‬

تندرج‭ ‬ظاهرة‭ ‬التنمر‭ ‬تحت‭ ‬صنف‭ ‬العنف‭ ‬النفسي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬وفقا‭ ‬لآثاره‭ ‬وأبعاده‭ ‬المترتبة‭ ‬على‭ ‬الطرف‭ ‬الذي‭ ‬يقع‭ ‬عليه،‭ ‬ويعني‭ ‬التحقير‭ ‬من‭ ‬شأن‭ ‬الآخر‭ ‬والاعتداء‭ ‬عليه‭ ‬لفظيا‭ ‬أو‭ ‬جسديا‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬شكله‭ ‬أو‭ ‬جنسيته‭ ‬أو‭ ‬دينه‭ ‬أو‭ ‬مظهره‭ ‬أو‭ ‬وظيفته‭ ‬ويرمي‭ ‬إلى‭ ‬الاستبعاد‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬لأنه‭ ‬يحد‭ ‬من‭ ‬قدرة‭ ‬الأفراد‭ ‬على‭ ‬تطوير‭ ‬ذواتهم،‭ ‬واستثمار‭ ‬طاقاتهم،‭ ‬ويعيق‭ ‬نموهم‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬ويمكن‭ ‬أن‭ ‬يقع‭ ‬على‭ ‬جماعة،‭ ‬قومية‭ ‬أو‭ ‬دينية‭ ‬بأكملها،‭ ‬أو‭ ‬فئة‭ ‬اجتماعية‭ ‬بعينها،‭ ‬ويمكن‭ ‬اعتبار‭ ‬حظر‭ ‬التجول‭ ‬الليلي‭ ‬الذي‭ ‬فرض‭ ‬على‭ ‬السوريين‭ ‬في‭ ‬لبنان‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المناطق،‭ ‬ونددت‭ ‬به‭ ‬منظمة‭ ‬هيومن‭ ‬رايتس‭ ‬ووتش‭ ‬لأنه‭ ‬يساهم‭ ‬في‭ ‬إيجاد‭ ‬مناخ‭ ‬‮«‬يشجع‭ ‬على‭ ‬التمييز‭ ‬وعلى‭ ‬ردود‭ ‬فعل‭ ‬سلبية‮»‬‭ ‬ضدهم،‭ ‬مثالا‭ ‬حيا‭ ‬عن‭ ‬ظاهرة‭ ‬التنمر‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬يجهد‭ ‬فيه‭ ‬العالم‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تعميق‭ ‬وترسيخ‭ ‬أهمية‭ ‬كرامة‭ ‬الإنسان‭ ‬وحقوقه‭ ‬وحرياته‭ ‬لاعتبارها‭ ‬من‭ ‬المكاسب‭ ‬الحضارية‭. ‬وربما‭ ‬تتمثل‭ ‬ظاهرة‭ ‬التنمر‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬أوجهها‭ ‬ما‭ ‬تعكسه‭ ‬الغربة‭ ‬على‭ ‬الفرد‭ ‬وتجعل‭ ‬منه‭ ‬كمن‭ ‬يمشي‭ ‬في‭ ‬فضاءٍ‭ ‬خاوٍ‭ ‬فوق‭ ‬الأرض‭ ‬مجردا‭ ‬من‭ ‬شبكة‭ ‬الرعاية‭ ‬التي‭ ‬تحيط‭ ‬بها‭ ‬كل‭ ‬كائن‭ ‬بشري،‭ ‬نظرا‭ ‬لعدم‭ ‬وجود‭ ‬عائلته‭ ‬وزملائه،‭ ‬وقدرته‭ ‬على‭ ‬التواصل‭ ‬مع‭ ‬الآخرين‭ ‬بدون‭ ‬جهد‭ ‬باللغة‭ ‬التي‭ ‬تعلمها‭ ‬منذ‭ ‬الصغر‭. ‬وفق‭ ‬الروائي‭ ‬الفرنسي‭ ‬ميلان‭ ‬كونديرا‭ ‬في‭ ‬روايته‭ ‬كائن‭ ‬لا‭ ‬تحتمل‭ ‬خفته‭.‬

د. محمد خير الوزير

د. محمد خير الوزير كاتب سوري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى