اشكال العنف ومستوياته«المشروعة» وغير «المشروعة»
العنف السياسي هو سلوك أو فعل يتسم بالإيذاء ويتدرج وفق سلّم طويل من الدرجات يبدأ بالتهديد ويمر بالتضليل والتجريح والإنكار والتكذيب والمنع الحصار وينتهي إلى الاستبداد أو الاستعمار أو استمرار القتل، ويصدر عن طرف قد يكون فردا أو جماعة أو طبقة اجتماعية أو دولة، ويرى تروتسكي أحد زعماء الحركة الشيوعية الروسية «أن كل دولة هي جهاز مؤسس على العنف»(1)، باعتبارها التجمع السياسي الذي يحتكر العنف المادي الذي تُعطى له الشرعية القانونية، المتمثلة أساسا في المحافظة على النظام الداخلي من جهة، والدفاع عن المجتمع ضد الأخطار الخارجية من جهة أخرى. ويوافقه في ذلك المفكر الألماني ماكس فيبر معتبرا الدولة تجمعًا سياسيًا غير قابل للتعريف إلا من خلال العنف، ويعتبر العنف المادي الوسيلة الوحيدة التي تسمح للدولة بممارسة سيادتها، مؤكدا أن الدولة تملك الحق في استعمال العنف، بل وتحتكره . فهو إذن عنف مشروع لا يمكن أن يمارسه أي فرد دون موافقة الدولة(2).
يعكس ما جاء في مقدمة ابن خلدون بأن (من امتدت عينه إلى متاع أخيه امتدت يده إلى أخذه إلا أن يصده وازع)(3) الهدف الذي يرمي الطرف الذي قرر استخدام العنف إلى تحقيقه ويتمثل في الرغبة في إخضاع الطرف الآخر والسيطرة عليه في إطار علاقة قوة قد تكون متكافئة وقد تكون غير متكافئة، ويكون مرد ذلك التعارض الواقعي أو الافتراضي للمصالح التي تتمثل بــ (الثروات – السلطة – الهوية – الأوضاع الاجتماعية والسياسية – المنظومة القيمية الفكرية والأخلاقية والإيديولوجية).
يعود العنف، إلى ظاهرتين أساسيتين، أو يمكن القول أنه نتيجة لهاتين الظاهرتين اللتين عرفهما الواقع الإنساني منذ نشأته: الأولى تتمثل في الصراع الذي تعتبره لورا نادر أستاذة الأنثروبولوجيا بجامعة كاليفورنيا، بأنه نضالٌ حول قيم أو مطالب أو أوضاع محددة، أو حول موارد ويكون الهدف متمثلاً في كسب القيم المرغوبة، أو الممنوعة وفي تحييد أو إلحاق الضرر أو إزالة المنافسين أو التخلص منهم(4)، ويشكل الإحباط، الظاهرة الثانية، والمقصود من الإحباط، الحالة التي تواجه الفرد ويعجز خلالها عن تحقيق رغباته النفسية أو الاجتماعية بسبب عائق ما خارجي كالعوامل المادية والاجتماعية والاقتصادية، أو داخلي كعيوب نفسية أو بدنية أو قدرات… وبالتالي تمس ردود فعل الذات المحبطة من المحيط بسلوكيات تميل في الغالب إلى العنف، وأخرى تتجه إلى الذات كالميل إلى الانطواء، أو سلوكيات تعود إلى مراحل سابقة من العمر، أو إلحاق الأذى بالذات بكيفيات متفاوتة بين الأشخاص.
وبما أن العنف لن يتوقف بين بني البشر ما استمرت طبيعة البنية الاجتماعية والسيكولوجية لهم وحولهم، ولعدم انقضاء الأسباب والدوافع المرتبطة بالموضوع المتنازع عليه لذلك فإن أشكاله الأبرز غالبا ما تُؤطر وفق محاور ثلاث:
الأول: يعود للمستوى الصادر عنه فردياً كان أم جماعياً، وتكمن خطورة العنف الفردي بأنه يهز استقرار المجتمع وتماسكه الاجتماعي لما يحتويه من قدرة تدميرية، ومثاله ما أقدم عليه ديفيد كوبلاند، في مدينة لندن وزرعه العبوات المتفجرة في بعض أحيائها التي استهدفت حياً يسكنه السود. وآخر يقطنه مهاجرون بنغاليون، فيما أوقع عددا من الضحايا بين قتيل وجريح(5). وتلجأ المجموعات التي قد تكون ثابتة أو مرحلية إلى العنف الجماعي ضد مجموعات أخرى بهدف تحقيق أغراض سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية، وهنا يكون العنف وسيلة ضغط لتحقيق الأهداف، ويعطي مؤشرا على غياب الثقة بالسلطة القائمة.
الثاني: يعود لأبعاده المتنوعة النفسية – الاقتصادية – الاجتماعية – السياسية – التاريخية – التشريعية . حيث أطلق الباحث الفرنسي بيير بورديو (Pierre Bourdieu) (1903-2002) على العنف الذي ينجم عنه آثار نفسية العنف الرمزي واعتبره عنفاَ لطيفاَ وعذباَ وغير محسوس ويكون بواسطة اللغة من خلال الطرائق والوسائل الرمزية الخالصة عبر التواصل، وتلقين المعرفة، ويحقق نتائج أحسن قياسا إلى ما يحققه العنف السياسي والبوليسي(6)، بمعنى القدرة على التـأثير باستخدام عوامل الجذب والنفور تجاه الأطراف المعنية، ويتمثل العنف الاقتصادي في التدابير والإجراءات الاقتصادية والمالية التي تفرضها دولة أو دول أو منظمات أو هيئات دولية أو إقليمية على دولة أو تنظيم أو شركة أو غيره على خلفية القيام بأعمال عدوانية أو تهديد للسلم الدولي، أو لحمل ذلك الطرف على تقديم تنازلات ذات طبيعة سياسية أو اقتصادية إلا أن تأثيراتها السلبية على المواطنين العاديين والسكان الأبرياء والأزمات الانسانية العديدة التي أوقعتها، جعلت القوى الكبرى تتجه أكثر نحو ما أطلق عليه اسم العقوبات الذكية التي تعتبر أكثر منطقية و أخلاقية لاستهدافها المسؤولين عن الأعمال العدائية(7)، ويقع العنف الاجتماعي في مستويات متعددة منها الأسري والمدرسي والمجتمعي والعنف القائم على الجنس رجل – إمرأة وما يتضمنه من تمييز وعدم مساواة بينهما، والعنف القائم بسبب الانتماء لفئات عرقية أو من أقليات جنسية. ويتحول العنف إلى الجانب السياسي أيا كانت أشكاله عند استخدامه بشكل متعمد وتكون دوافعه وأهدافه سياسية، وتلعب الإيديولوجية الفكرية بشقيها الدينية والقومية دورا فيه، وتعتبر الاعتقالات وأحكام الإعدام لأسباب سياسية واستخدام قوى الأمن والجيش أبرز صوره. ويتعلق العنف التاريخي بجرائم الإبادة المرتكبة بحق مجموعات من معينة البشر بقصد تدمير وجودهم كليا، فمثلا قتل 7.800 من الرجال والشباب البوسنيين على يد القوات الصربية، وفي روندا قتل ما يصل إلى 800.000 شخص أغلبهم ينتمون إلى مجموعة التوتسي التي تمثل جماعة أقلية.
يٌنتج العنف التشريعي التسلط والاستبداد فقد سُنت للأجهزة الأمنية في سورية قوانين ( ضمن حالة الطوارئ التي أعلنت في 1963 وبقيت مستمرة حتى مطلع 2011) أعطت أجهزة الأمن امتيازات هدمت مبدأ المساواة أمام القانون ولا تبررها اعتبارات مستمدة من الحريات السياسية، نذكر منها على سبيل المثال ما جاء في المادة (16) والمادة (30) من قانون (إحداث إدارة أمن الدولة) الصادر بالمرسوم التشريعي رقم (14) تاريخ 25/1/ 1969 والمادة (74) والمادة (101) من قانون التنظيمات الداخلية لإدارة أمن الدولة، وقواعد خدمة العاملين فيها، الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 549 تاريخ 25/5/1969م(8).
تتعارض هذه المواد مع ما جاء به ميثاق الأمم المتحدة عام 1945 والإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948 والعهدان الدوليان لحقوق الإنسان عام 1966م اللذان نصا على الحق في الحياة وعدم الخضوع للتعذيب وعدم توقيف أحد أو اعتقاله تعسفا(9). وصدقت عليهما سوريا منذ عام 1968.
الثالث: يعود وفقا لمشروعيته العنف المشروع والعنف غير المشروع من وجهة نظر القانون ويقصد بالأول ذلك العنف الممارس من قبل السلطة السياسية ويهدف هذا النوع بحسب عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر إلى الحفاظ على النظام الداخلي للدولة والدفاع عن المجتمع ضد الأخطار الخارجية، غير آبه برغبة وسعي أي نظام سياسي للاستمرار بالحكم بشتى السبل، والطرف الآخر المتمثل في الفئة التي ترى في أن النظام لا يعبر عن مصالحها وقيمها وتسعى لتغييره بشكل كلي أو جزئي، وتلجأ إلى المظاهرات والاعتصامات وأعمال الشغب وغيرها من الأعمال التي تعبر عن رغبة الجمهور وحاجته، ويتعدى الأمر هذا الحقل السياسي ويبحث علم النفس الجنائي في الأسباب والظروف التي دفعت الجاني لارتكاب جرمه، فتنزل به القصاص على جريمته، وتخفف عنه نظرا للأسباب غير المشروعة أن تحيط به كإنسان لارتكاب فعلته.
تندرج ظاهرة التنمر تحت صنف العنف النفسي والاجتماعي وفقا لآثاره وأبعاده المترتبة على الطرف الذي يقع عليه، ويعني التحقير من شأن الآخر والاعتداء عليه لفظيا أو جسديا على أساس شكله أو جنسيته أو دينه أو مظهره أو وظيفته ويرمي إلى الاستبعاد الاجتماعي، لأنه يحد من قدرة الأفراد على تطوير ذواتهم، واستثمار طاقاتهم، ويعيق نموهم الاجتماعي، ويمكن أن يقع على جماعة، قومية أو دينية بأكملها، أو فئة اجتماعية بعينها، ويمكن اعتبار حظر التجول الليلي الذي فرض على السوريين في لبنان في عدد من المناطق، ونددت به منظمة هيومن رايتس ووتش لأنه يساهم في إيجاد مناخ «يشجع على التمييز وعلى ردود فعل سلبية» ضدهم، مثالا حيا عن ظاهرة التنمر في وقت يجهد فيه العالم من أجل تعميق وترسيخ أهمية كرامة الإنسان وحقوقه وحرياته لاعتبارها من المكاسب الحضارية. وربما تتمثل ظاهرة التنمر في أحد أوجهها ما تعكسه الغربة على الفرد وتجعل منه كمن يمشي في فضاءٍ خاوٍ فوق الأرض مجردا من شبكة الرعاية التي تحيط بها كل كائن بشري، نظرا لعدم وجود عائلته وزملائه، وقدرته على التواصل مع الآخرين بدون جهد باللغة التي تعلمها منذ الصغر. وفق الروائي الفرنسي ميلان كونديرا في روايته كائن لا تحتمل خفته.




